بيروت - لبنان

اخر الأخبار

27 أيار 2026 12:10ص التصعيد الإسرائيلي بين الضغط العسكري والتسوية الإقليمية.. هل تعود بيروت والضاحية إلى بنك النار؟

حجم الخط
تعود بيروت، وخصوصاً ضاحيتها الجنوبية، تدريجياً إلى واجهة المشهد الأمني الإقليمي، وسط تصاعد المؤشرات السياسية والعسكرية التي توحي بأن إسرائيل لم تعد تتعامل مع العاصمة اللبنانية باعتبارها منطقة خارج الاشتباك، بل كساحة مفتوحة ضمن معادلة الردع الجديدة التي تحاول فرضها بالقوة. وتأتي هذه التطورات الميدانية المتلاحقة لتضع لبنان أمام سيناريوهات قاتمة، في وقتٍ تتكثف فيه الأنباء الدبلوماسية عن اقتراب الولايات المتحدة وإيران من التوصل إلى اتفاق إقليمي شامل لإنهاء الصراع، ليبقى التساؤل الملحّ: هل ينجح لبنان في النفاذ من هذه المظلة، أم يقع ضحية لاستراتيجيات العزل الإقليمي؟

• استراتيجية فصل المسارات وعزل الجبهة اللبنانية

يمثل الموقف الإسرائيلي اليوم نقطة تحوّل استراتيجية لافتة في مسار الصراع الإقليمي؛ إذ أكد رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو صراحةً في أكثر من مناسبة أن «وقف إطلاق النار مع إيران لا يشمل لبنان»، في إشارة واضحة إلى رغبته في تفكيك وحدة الساحات وعزل الملف اللبناني تماماً عن أي تفاهمات كبرى بين واشنطن وطهران. وتصرّ إسرائيل في مفاوضاتها الخلفية على أن حملتها العسكرية ضد حزب الله هي مسار ثنائي منفصل، معتبرة أن المرحلة الراهنة تشكّل «فرصة تاريخية» لا تتكرر لتغيير الواقع الجغرافي والأمني على الحدود الشمالية، وتثبيت حزام أمني يمتد لعدة كيلومترات، ودفع الحزب وبنيته العسكرية إلى ما وراء نهر الليطاني، دون الارتباط باستحقاقات التهدئة في غزة أو طهران.

• الموقف الأميركي: دعم مشروط بلا سقف واضح

يكمن جوهر المعضلة الراهنة في التناقض والازدواجية اللذين يطبعان الموقف الأميركي الحالي؛ ففيما تشير التقارير المسرّبة إلى أن مسودة الاتفاق المرتقب بين واشنطن وطهران تتضمن بنداً عريضاً ينص على «إعلان إنهاء الحرب على جميع الجبهات، بما في ذلك لبنان»، إلّا أن الممارسة السياسية على الأرض تعكس خطاً مغايراً تماماً. فالرئيس ترامب أبلغ نتنياهو بدعمه الكامل والمطلق لرغبة إسرائيل في «الحفاظ على حريتها في التصرف ومواجهة التهديدات على جميع الجبهات، وبخاصة الجبهة اللبنانية». هذا التناقض الصريح بين النصوص الدبلوماسية المرنة والوعود السياسية الصارمة يمنح تل أبيب هامشاً واسعاً للمناورة، ويُفضي عملياً إلى منحها «ضوءاً أخضر» ضمنياً لتوسيع عملياتها والالتفاف على التهدئة الإقليمية في أي لحظة تختارها.

• بيروت والضاحية: الرافعة التفاوضية والحسابات الداخلية

أمام هذا التقاطع الإقليمي الحرج، تبرز الضاحية الجنوبية وبيروت مجدّداً كجزء أساسي وثابت في بنك الأهداف الإسرائيلي المحتمل. وقد بلغت التهديدات الإسرائيلية ذروتها في الساعات الأخيرة؛ إذ أعلن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في بيان مصور صريح: «لن نرفع قدمنا عن الدواسة، بل على العكس طلبتُ تسريع وتكثيف الضربات وسنسحق حزب الله». هذا التصعيد اللفظي ترجمته مطالبات علنية حادّة وغير مسبوقة داخل الكابينت الإسرائيلي، حيث دعا وزير المالية والوزير في وزارة الدفاع بتسلئيل سموتريتش إلى «تدمير مبانٍ وأحياء كاملة في قلب بيروت» رداً على هجمات المسيّرات، في وقت طالب فيه وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير بالعودة الفورية إلى خيار «الحرب الشاملة في لبنان». هذه المناخات المتوترة تسببت فوراً في إثارة موجة ذعر حقيقية، تُرجمت في حركة نزوح كثيفة ومقلقة للأهالي من الضاحية الجنوبية لعاصمة غدت معلّقة على حافة الانفجار.
وتتحرك إسرائيل في هذا الاتجاه مدفوعةً بحسابات استراتيجية وسياسية معقّدة؛ فتاريخياً، كلما واجهت العمليات البرية على الحدود جموداً أو استعصاءً عسكرياً، تلجأ القيادة الإسرائيلية إلى نقل الثقل الهجومي إلى المركز الرمزي والسياسي للعاصمة. ويُعدّ قصف بيروت والضاحية أداةً تقليدية لرفع كلفة المواجهة على البيئة الحاضنة، وإجبار صاحب القرار اللبناني على تقديم تنازلات جوهرية في المفاوضات الشاقة الجارية في واشنطن والبنتاغون. وعلى الصعيد السياسي الداخلي، تحوّلت الجبهة اللبنانية بالنسبة لنتنياهو إلى ساحة مصيرية لتحديد بقائه السياسي وصورته كـ«سيد الأمن»؛ إذ يسعى عبر لغة النار إلى ترميم شرعيته المتآكلة وشعبيته المهتزة منذ أحداث أكتوبر 2023، مما يجعل خيار استمرار العمليات وتثبيت واقع أمني جديد بالدم ورقة لا يمكنه الاستغناء عنها.

• خطاب قاسم: رفع السقف في لحظة حرجة

في خضم هذا المشهد المتشابك والمحتقن، جاء خطاب الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم ليضيف كتلاً من اللهب السياسي، رافعاً سقف المواجهة إلى مستوى غير مسبوق منذ اندلاع الحرب. فقد رسم قاسم خطوطاً حمراء حاسمة وقاسية قُبيل جولة مفاوضات واشنطن المرتقبة، معلناً الرفض المطلق والنهائي لنزع سلاح الحزب أو مقايضته تحت أي ظرف، ومؤكداً رفض الانخراط في مفاوضات مباشرة مع إسرائيل باعتبارها مكسباً مجانياً لتل أبيب.
والأخطر في الخطاب تمثل في التهديد المباشر بالداخل اللبناني؛ حيث لوّح باللجوء إلى الشارع وتعبئة الأنصار لإسقاط الحكومة اللبنانية إذا استمرت الضغوط السياسية المحلية بملف حصرية السلاح. وهو ما اعتبره محللون بمثابة رسالة ضغط نارية تهدف إلى عزل المفاوض اللبناني الرسمي وعرقلة مسار التسوية المطروح أميركياً، وتأكيداً علنياً على أن الحزب مستعد لدفع البلاد نحو انقسام داخلي حادّ وحافة حرب أهلية في سبيل حماية بنيته العسكرية وبيئته الحاضنة.

• حسابات الكلفة وهشاشة المشهد

رغم هذا الغليان وارتفاع منسوب التهديدات الوجودية، فإن المؤشرات المتوافرة على طاولة القرار لا تعني بالضرورة أن إسرائيل اتخذت قراراً نهائياً ومبرماً بشنّ حرب شاملة ومفتوحة لا تبقي ولا تذر في العاصمة. ذلك أن المؤسسة العسكرية الإسرائيلية، وخصوصاً جنرالات الجيش، يدركون جيداً أن استهداف بيروت لن يكون نزهة عسكرية أو عملية محدودة الكلفة؛ فحزب الله لا يزال يمتلك ترسانة صاروخية ضخمة وقدرات ميدانية استثنائية أثبتها على الأرض.
لذلك، فإن ما يحدث حالياً يقع في معظم الأحيان ضمن سياسة «الضغط المتدرج» وحرب الأعصاب العنيفة لتحسين شروط التفاوض على الطاولة الأميركية، وسط ضغوط دولية وعربية حثيثة كواليس الدبلوماسية لمنع الانزلاق نحو انفجار إقليمي شامل قد يهدد خطوط الطاقة والملاحة الدولية. من جهتها، تصر طهران على ربط أي تهدئة محتملة مع واشنطن بوقف العمليات الإسرائيلية ضد حزب الله كشرط أساسي، وهو ما ترفضه إسرائيل جملةً وتفصيلاً، مما يجعل الساحة اللبنانية ساحة نموذجية لتصفية الحسابات الكبرى وصراع الإرادات بين القوى الإقليمية والدولية.

• هامش الخطأ الضيق

تكمن خطورة المرحلة الراهنة في أن هامش الخطأ الميداني بات ضيقاً ومعدوماً؛ فأي حادث غير محسوب على الحدود، أو سقوط صاروخ في نقطة غير متوقعة، أو انهيار مفاجئ للمفاوضات السياسية المستمرة، قد يدفع بالأمور بسرعة الصاروخ نحو مواجهة مفتوحة وواسعة تعود معها العاصمة والضاحية إلى قلب استهداف النار المباشر والمكثف.
يبدو لبنان مجدّداً، وبصورة مكررة ومأساوية، عالقاً بين مسارين متناقضين لا يلتقيان: مسار التهدئة الدولية والتسويات الكبرى التي تطبخها واشنطن خلف الأبواب المغلقة، ومسار التصعيد العسكري الدموي الذي تستخدمه إسرائيل كورقة قوة لفرض خرائط نفوذ جديدة وقواعد اشتباك طويلة الأمد في المنطقة. وبين هذين المسارين، تبقى بيروت معلّقة على مشانق الاحتمالات المفتوحة، وتترقّب ما ستؤول إليه التوازنات الكبرى وصراع البقاء الذي يُصاغ اليوم بالحبر والنار معاً. والأخطر في المشهد الراهن أن الأطراف جميعها بلا استثناء تتحدث بلغة التسويات الدبلوماسية الرفيعة، لكنها على المقلب الآخر تُمعن في تذخير مدافعها والاستعداد للحرب الشاملة، وهو ما يضع لبنان، كالعادة، في موقع الضحية الجاهزة لأي خطأ في الحسابات، أياً كان مصدره أو فاعله.