14 شباط 2026 12:15ص رفيق الحريري.. وطن في رجل ما بين بنائها وانهيارها.. لإعادة إنتاج «حريرية حديثة»

حجم الخط
في كل عام، ومع حلول الرابع عشر من شباط، تفتح جراح بيروت من جديد، ليس فقط لاستعادة ذكرى زلزالٍ هزَّ وجدان الوطن واغتال حلمه، بل لاستحضار سيرة رجلٍ كان بحد ذاته وطناً. اليوم، وبعد مرور أكثر من عقدين على غياب الرئيس الشهيد رفيق الحريري، لا يبدو أن الوقت قد استطاع ترميم الفراغ الذي خلّفه، بل إن الأزمات المتلاحقة جعلت من ذكراه حاجةً وطنية وملاذاً فكرياً.
في زمنٍ يتداعى فيه لبنان على نفسه، وتتكسّر صورته بين يدي أبنائه، ويخيّم على مستقبله قلقٌ يشبه الغبار الكثيف، بعدما تهاوت مؤسسات الدولة وتبعثرت ركائزها، واستُبيحت أموال الناس وأحلامهم، يعود اسم رفيق الحريري إلى الذاكرة كوميضٍ في العتمة؛ الرجل الذي خرج من رماد الحرب حاملاً فكرة الدولة، لا بوصفها سلطةً عابرة، بل كحلمٍ قابلٍ للتحقق. مدّ يده إلى وطنٍ منهك، فزرع في ترابه ورشة إعمار، وفي قلوب ناسه ثقةً كادت أن تموت، أعاد لبيروت نبضها، وللّبنانيين إيمانهم بأن الغد يمكن أن يكون أجمل من الأمس.

• الظاهرة الحريرية: فلسفة النهوض من الركام

شكّلت الحريرية السياسية، بما تمثله من فكر ونهج، تجربةً غير مسبوقة في تاريخ لبنان الحديث. فهي لم تكن مجرّد مشروع لإعمار حجر، بل رؤية متكاملة لبناء دولة حديثة تتقاطع فيها المصالح الوطنية مع الاعتبارات الاقتصادية والتنموية والاجتماعية. انطلقت هذه المدرسة من قناعة عميقة بأن النهوض الوطني لا يمكن أن يتحقق بمعزل عن الاستقرار السياسي والتوازن الإقليمي، وأنّ الاقتصاد المزدهر يشكّل الركيزة الأهم للحفاظ على السلم الأهلي وترميم الهوية الوطنية الجامعة.
ما ميّز رفيق الحريري أنه لم يأتِ من خلفية حزبية أو عقائدية ضيقة، بل من المدرسة الواقعية البراغماتية التي تؤمن بأن السياسة هي فن الممكن، وأنّ الإصلاح لا يُفرض من فوق بل يُبنى بالحوار والشراكة. جمع بين الرؤية الاقتصادية الحديثة والحنكة الدبلوماسية، وبين الحس الوطني العميق والانفتاح العربي والدولي، في توازنٍ نادرٍ أضفى على مشروعه طابعاً استثنائياً جعل منه رجل دولة بامتياز، قادراً على مخاطبة الشرق بلغة العروبة والوفاء، ومخاطبة الغرب بلغة الحداثة والمؤسسات.

• الجذور والبدايات: كفاح الرجل العصامي

عندما حقق رفيق الحريري ثروته، لم تكن سبباً لنسيان ماضيه الذي يفتخر به في صيدا، بل كانت المحرّك الأول لردّ الجميل. بدأ مسيرته في العمل العام بصمت، عبر «مؤسسة الحريري»، مؤمناً أن التغيير يبدأ من بوابة التربية. أعاد بناء مدرسته القديمة، وفتح أبواب العلم للفقراء، مدركاً أن قوة لبنان الحقيقية ليست في عدد بنادقه، بل في كفاءة أبنائه وتفوّقهم العلمي.
مع تنامي دوره كصانع قرار خلف الكواليس، عُيّن مبعوثاً شخصياً للملك فهد بن عبد العزيز، ولعب دوراً محورياً في تقريب وجهات النظر بين الأفرقاء المتنازعين. لم يأتِ للسلطة بحثاً عن وجاهة، بل جاء لينهي حقبة «أمراء الحرب» ويفتتح حقبة «رجال الدولة»، محوّلاً الصراع من المتاريس إلى طاولات الحوار والإنتاج.

• المحطات الوطنية: من إزالة الركام إلى ميثاق الطائف

شهدت مسيرة الحريري محطات مفصلية صاغت وجه لبنان الحديث وتصدّت لأزماته الوجودية:
1. رفع أنقاض الاجتياح (1982): في وقت كانت فيه الدولة مشلولة، وضع الحريري إمكاناته لإزالة آثار دمار بيروت، وفتح الطرقات التي أغلقتها خطوط التماس، مؤكداً أن وحدة الجغرافيا هي مقدمة لوحدة القلوب.
2. شبكة الأمان الاجتماعي والعسكري: في منتصف الثمانينات، عندما كان الجيش اللبناني مهدّداً بالتحلل بسبب انعدام التمويل، قدّم الحريري دعماً مالياً شهرياً استثنائياً للمؤسسة العسكرية لضمان بقائها كصمام أمان للوطن.
3. هندسة «اتفاق الطائف»: كان الحريري «دينامو» المفاوضات التي أدّت لإنهاء الحرب الأهلية عام 1989. لم يكتفِ بالتسهيل اللوجستي، بل شارك في صياغة بنود الدستور الجديد التي كرّست المناصفة والعيش المشترك، واضعاً بصمة لا تُمحى في تاريخ لبنان السياسي المعاصر.

• فلسفة «الإنسان أولاً»: تعليم 35 ألف حلم

يظل المشروع التعليمي هو الأحب إلى قلب الحريري. في وقت كانت الميليشيات تجنّد الشباب للقتال، كان الحريري يرسلهم إلى كبريات الجامعات في باريس، لندن، وبوسطن. موّل تعليم 35 ألف طالب بمختلف طوائفهم، وبإنفاق تجاوز المليار ونصف المليار دولار. كان يقول لهم: «رأس مالكم هو علمكم، وأنا إلى جانبكم لتفيدوا وطنكم». هؤلاء الخرّيجون تحوّلوا إلى جيش من الكفاءات التي أدارت مرافق الدولة والقطاع الخاص، مشكّلين «العصب الحيّ» للطبقة الوسطى اللبنانية التي سُحقت اليوم.

• إعمار بيروت: رمزية الدولة الحديثة

بعد الحرب، كانت بيروت مدينة أشباح، فجاء مشروع «سوليدير» وإعادة إعمار الوسط التجاري ليكون «قلب لبنان النابض». لم يقتصر الأمر على الحجر؛ بل شمل تحديث المطار والمرفأ، وبناء شبكة طرقات عصرية، وتطوير قطاع الاتصالات، وإنشاء المستشفيات الحكومية والمهنيات في كل المناطق. أراد الحريري لبيروت أن تعود «جوهرة الشرق»، ملتقىً للاستثمارات ومنارةً للثقافة، لتثبيت حق لبنان في الحياة والازدهار وسط محيط مضطرب.

• حماية الميثاقية والوجود المسيحي

آمن الحريري أن لبنان «جناحين»، ولا يمكنه الطيران بجناح واحد. في التسعينات، حين عانى المكوّن المسيحي من الإحباط والتهميش السياسي، بادر الحريري بذكاء وطني لردم الفجوة. أقام علاقة استراتيجية مع البطريرك الراحل مار نصر الله بطرس صفير والمطران إلياس عودة، واضعاً شعاره الشهير «أوقفنا العد» كضمانة أبدية للمناصفة. كما كانت جهوده الجبارة في تأمين زيارة البابا يوحنا بولس الثاني عام 1997 رسالة للعالم بأن مسيحيي لبنان جزء لا يتجزأ من هويته ورسالته، مما أعاد بث الروح في جسد الوحدة الوطنية.

• استشراف «الحريرية الحديثة»: لبنان الممكن

اليوم، ونحن نعيش في ظل «الدولة المنهارة»، حيث غابت المحاسبة وساد الفساد والمحاصصة، إن العودة إلى إرث الحريري ليست استذكاراً عاطفياً، بل هي ضرورة وجودية لإنتاج «حريرية حديثة» ترتكز على خمسة أعمدة صلبة:
1. السيادة والقرار الحرّ: استعادة هيبة الدولة وحصر السلاح والموقف الاستراتيجي بيد المؤسسات الشرعية وحدها.
2. الاقتصاد المنتج: الانتقال من الاقتصاد الريعي القائم على الاستدانة إلى اقتصاد المعرفة، والزراعة المتطورة، والصناعات النوعية، مع دعم حقيقي للشباب المبتكر.
3. الحوكمة الرقمية والشفافية: بناء «دولة إلكترونية» تنهي الرشوة وتسهّل حياة المواطن، وتعيد بناء المؤسسات على أسس الكفاءة لا الولاء السياسي.
4. العدالة الاجتماعية: حماية حقوق المودعين وتأمين شبكة أمان صحي واجتماعي شاملة، لأن كرامة الإنسان هي هدف السياسة الأسمى.
5. التموضع العربي والدولي: إعادة وصل ما انقطع مع الأشقاء العرب، وتحديداً دول الخليج، واستعادة دور لبنان كجسر تواصل حضاري بين الشرق والغرب.

• خارطة طريق للنهوض

إن نجاح هذا المشروع المتجدّد يتوقف على بروز نخب جديدة تتجاوز الانقسامات الطائفية الضيقة. نحتاج اليوم إلى «خارطة طريق» توازن بين الإصلاح البنيوي والنمو الاقتصادي، وبين السيادة الوطنية والمواطنة الفاعلة. إنها دعوة لبعث الأمل في جيل جديد يرفض الهجرة ويبحث عن «لبنان الحلم».
بعد عقدين على ذلك الزلزال الذي هزّ بيروت في 14 شباط، ما يزال رفيق الحريري حاضراً في كل سؤال عن «معنى الدولة». إن الحريرية لم تكن مجرد مرحلة سياسية، بل هي فكرة «لبنان القوي بنجاحه لا بضعفه». إنها دعوة صادقة لكل اللبنانيين للالتقاء حول مشروع وطني يحصّن الدار ويستثمر في الإنسان، ليولد لبنان الممكن - لبنان الذي أراده رفيق الحريري؛ دولة حيّة، عادلة، ومتصالحة مع نفسها ومع العالم.