ترك الجنوب، ليس فقط جنوب الجنوب لقدره، أو لمصيره، فالحرب الإسرائيلية عليه، بأثمن أنواع الطائرات ذات التصنيع الأميركي، والمدافع والدبابات والمسيَّرات والمحلّقات والقنابل الفوسوفورية وحتى العنقودية، لم توفر مكاناً آمناً وباتت المنازل العادية والقصور والطرقات والمستشفيات وسيارات الإسعاف أو النجدة الصحية من لبنانية إلى الصليب الأحمر الدولي أهدافاً للحرب، من زاوية أنها «بنى تحتية» لحزب الله، وفقاً للناطق، الضفدع، صاحب الأعاجب والأكاذيب والنقيق..
ولعل ملامسة الحقيقة، على هذه النسبة أو تلك، لا تعني تقليلاً من جهد التفاوض، بقطع النظر ما إذا كان مباشراً أو غير مباشر، فالأمر سيَّان، ولا تعني عدم تقدير الجهد العسكري على أرض الميدان، الذي يقوم به المقاتلون، سواءٌ انتموا الى حزب الله، والمقاومة الإسلامية، أو كانوا من مشارب أخرى.
وقد تكون الوقائع، بنتائجها المحققة، تشتمل على الحقائق القوية، ومنها:
1 - لا التفاوض على وقف النار، بالطريقة المطروحة، فيه تعامل مع النتائج، وليس مع الأسباب، المنطلق اللبناني كان يتعين أن ينطلق من المسألة الأساس ، يتحدث عن «أمن اسرائيل» ويعزو كل اعتداءاته لما يسمِّيه أمن المستعمرات الشمالية، وعلى هذا الأساس خاض كل حروبه منذ نشأة اسرائيل في العام 1948 عام النكبة، الذي تسبب بنكبات لم تتوقف على مدى العقودالماضية، ومنها نكبة الشعب اللبناني الجارية الآن من الجنوب الى كل لبنان..
تدمر اسرائيل، وتقتل المدنيين والعُزَّل والمسعفين، وتحتل الأرض، كل ذلك لأسباب أمنية، والسؤال لماذا لا يبدأ المفاوض اللبناني من المسألة الأمنية في الجنوب، من العدوان.. وليتمتع الوفد بالجرأة، ويطالب المفاوض الاسرائيلي، وعلى مسمع ومرأى الوسيط أو الشريك الأميركي، بوقف العدوان، وليرتفع الصوت عالياً، بأن تعريض مدن الجنوب والضاحية الجنوبية لبيروت وبعلبك وبلدات البقاع الغربي للقصف والقتل والتهجير، هو عدوان، ليس من السهل ايجاد الكلمات المناسبة لوصفه من الهمجية الى التوحش الى الإبادة الجماعية، والنازية وكل الأوصاف التي أطلقت على «الفاشيست» والنازيين إبان الحرب الكونية الثانية.
إذاً، على الجانب اللبناني أن يعدّل لهجته، ويطالب بوقف العدوان وتراجع قوات الاحتلال عن أرضه.. وسواءٌ انطلق أو تمسك بالقاعدة التي تعطي الحق بمقاومة الاحتلال، والغزو، فإن مجرى التفاوض، يتعين أن يتجه نحو الوجهة المتعادلة، ولو على طاولة المفاوضات، وعندها لا همّ شكل التفاوض أو الملابسات المرتبطة بها..
2 - في مقاومة حزب الله لتقدُّم الاحتلال وقصف مواقعه، واستهداف منشآته فإن الحقيقة، لا تتعلق بالبسالة والشجاعة، إنما تتعلق من أساس، أن ضعف جهود المقاومة كان مردّه للدخول في حرب إسناد ايران، بعد اغتيال المرشد الخامنئي بالضربات الأميركية والاسرائيلية، ومع ذلك، المسألة الآن تتعلق بمدى القدرة على إلحاق الأذى بجنود الاحتلال وضباطه، وليس من الصواب أو العدل إنقاص دور المقاومة، في انهاك الاحتلال، وإعاقة تقدمه، أو جعله «مرتاحاً على وضعه» كما يقال ..
لا يتعين على المفاوض الوطني التعرُّض لهذه الورقة، وإن رأى أنه من غير الممكن الاستفادة منها، مباشرة، لكن الاستفادة محققة عبر تثبيت المفاوض اللبناني على مطالبه، والتمسك بالحاجة الملحَّة لوقف الحرب على بلده، ما دامت الغاية من التفاوض إنهاء العمليات العدائية، واحترام الحقوق الوطنية للدولتين المتفاوضتين..
3 - ولعلّ على المفاوض اللبناني أن يستفيد من معطيات المفاوضات الأميركية - الإيرانية التي اقتربت من وضع حدِّ لمسار التحريض على مواصلة الحرب، والجنوح إلى السلام..
وفي المعلومات المتاحة، حسب الخارجية الباكستانية، فإن المقترح الباكستاني، الذي حظي بموافقة المفاوضين الأميركيين والايرانيين يتضمن أن يكون وقف النار في لبنان ضمن الاتفاقية (بين واشنطن وطهران) مع دعم الحوار بين لبنان واسرائيل..
وهذه نقطة على درجة من الأهمية من جهة شمول إنهاء الحروب في المنطقة (لبنان)، نظراً للتأثيرات والتداخلات والتشابكات مع الحروب التي أعادته الى دوامتها، مع دفع ثمن بليغ، أخطر ما فيه أنه يعرض أمنه (أي أمن لبنان) واستقراره وسيادته (إذا كان ثمة من سيادة باقية) لأسوأ أنواع المخاطر والإذلال والشفقة وغير الشفقة، سواءٌ بالتشاورات أو في ما خص المساعدات في عمليات احتواء النزوح والإيواء.
على لبنان أن يتمتع بالشجاعة، على طاولة المفاوضات وعلى اللبنانيين الإتجاه نحو معادلة جديدة: ميثاق داخلي حول سُبل درء العدوان، وتسوية كبرى على هذا الصعيد، تمهيداً لتسوية كبرى مع اسرائيل، والتحضير لمسيرة زحف العودة قبل فوات الأوان.