لماذا دفن هدنة 1949؟
د. محمد دوغان
ليست المشكلة في أن لبنان يفاوض إسرائيل، فالتفاوض في ذاته ليس تنازلاً، بل قد يكون وسيلة لاستعادة الحقوق إذا أُحسن استخدامه. لكن المشكلة تبدأ عندما تدخل الدولة المفاوضات وهي تتخلى عن المرجعية القانونية التي تمنحها القوة، وتقبل بأن تبدأ العلاقة من إطار تفاوضي جديد، وكأن أكثر من سبعين عاماً من الاتفاقيات والقرارات الدولية لم تكن موجودة.
هذا هو السؤال الذي يجب أن يجيب عنه أركان السلطة اللبنانية: لماذا لم تدخلوا المفاوضات مستندين إلى اتفاقية الهدنة لعام 1949 وقرارات مجلس الأمن، بل قبلتم بإطار جديد لا يكاد يذكرها؟
لقد امتلك لبنان، منذ عام 1949، أساساً قانونياً دولياً ينظم علاقته مع إسرائيل، تعزز لاحقاً بقرارات مجلس الأمن، ولا سيما القرارات 425 و1701. وقد شكّلت هذه المرجعيات، رغم كل الصعوبات التي رافقت تنفيذها، السند القانوني الذي استند إليه لبنان في الدفاع عن سيادته ومطالبه أمام الأمم المتحدة والمجتمع الدولي.
لكن ما يثير القلق في إطار عام 2026 ليس فقط أنه يخلو من أي إشارة إلى اتفاقية الهدنة أو إلى قرارات مجلس الأمن، بل إنه يعلن أن إسرائيل ولبنان يعتزمان إنهاء النزاع بصورة نهائية، ومعالجة جميع القضايا العالقة من خلال مفاوضات ثنائية مباشرة برعاية الولايات المتحدة.
وهنا تكمن الخطورة..
فالإطار لا يقدم نفسه كوسيلة لتنفيذ المرجعيات الدولية القائمة، بل كمرجعية جديدة ستُحل في ظلها جميع القضايا العالقة بين البلدين. وهذا يعني أن مركز الثقل ينتقل من القانون الدولي إلى طاولة التفاوض، ومن الحقوق التي كرّستها الاتفاقيات والقرارات الدولية إلى حقوق يعاد التفاوض عليها وفق موازين القوى.
قد يقول البعض إن عدم ذكر اتفاقية الهدنة أو قرارات مجلس الأمن لا يعني إلغائها، وهذا صحيح قانوناً. لكن المشكلة ليست في الإلغاء، بل في التهميش. فالمرجعيات الدولية تفقد قيمتها العملية عندما لا تكون هي الأساس الذي ينطلق منه التفاوض، بل تصبح مجرد خلفية تاريخية، بينما يتحوّل الإطار الجديد إلى المرجع الفعلي للعلاقة بين الطرفين.
وهنا يبرز سؤال لا تستطيع السلطة الهروب منه: لماذا لم تُصرّ على أن ينص الإطار صراحة على أن اتفاقية الهدنة لعام 1949 وقرارات مجلس الأمن تبقى المرجعية القانونية الملزمة لأي تفاوض أو اتفاق لاحق؟
إذا كانت إسرائيل تفضّل تجاوز هذه المرجعيات، فذلك مفهوم من زاوية مصالحها التفاوضية. أما أن يبدو لبنان مستعداً للتخلي عن أقوى أوراقه القانونية، فذلك أمر يصعب تبريره.
فالدول لا تدخل المفاوضات وهي تتنازل عن سندها القانوني، بل تحمله معها إلى الطاولة. ولا تطلب من الطرف الآخر الاعتراف بحقوق جديدة، بل تطالب بتنفيذ الحقوق التي أقرها القانون الدولي أصلاً.
إن أخطر ما قد ينتج عن هذا المسار ليس نصوص الاتفاق، بل تغيير المرجعية نفسها. فإذا أصبحت المفاوضات الثنائية هي المصدر الوحيد لتنظيم العلاقة بين لبنان وإسرائيل، فإن المرجعيات الدولية التي حكمت هذا النزاع طوال عقود ستتراجع إلى الهامش، ويصبح كل ما كان حقاً ثابتاً بالأمس موضوعاً جديداً للتفاوض اليوم.
ولهذا، فإن السؤال الحقيقي ليس ماذا ستربح السلطة من اتفاق الإطار، بل ماذا قد يخسره لبنان إذا قبل بأن تنتقل مرجعية النزاع من الأمم المتحدة والقانون الدولي إلى وثيقة تفاوضية جديدة تُصاغ وفق موازين القوى السياسية والعسكرية.
إن حماية السيادة لا تبدأ عند توقيع الاتفاقات، بل تبدأ عند اختيار المرجعية التي يُبنى عليها التفاوض. فإذا ضاعت المرجعية، ضاعت معها القدرة على التمسّك بالحقوق، مهما كانت براعة المفاوضين.






