د. جيرار ديب
دعت جامعة الروح القدس - الكسليك في كسروان، الأحد 19 أيار الجاري، الأفراد والعائلات في لبنان، في بيان صدر عبر مكتبتها، إلى المشاركة في معرض وطني بعنوان «مئوية الدستور اللبناني»، بمناسبة مرور مئة عام على إعلانه.
يهدف هذا المعرض إلى تسليط الضوء على المسار التاريخي الذي شكّل الهوية الدستورية للبنان، من خلال عرض محطات مفصلية تبدأ من «بروتوكول عام 1861 ومرحلة المتصرفية مروراً بإعلان دولة لبنان الكبير وصولاً إلى إقرار الدستور اللبناني عام 1926». رغم أهمية الدعوة في الإضاءة على المسار التاريخي للدستور اللبناني، من خلال الحقبات التي مرّ بها، لكنّ السؤال الذي يطرحها نفسه هل هي دعوة لتكريس أهمية الدستور اللبناني رغم التعديلات التي طالته؟ أم ستكون للذكرى في ظلّ الحديث عن منطقة تتغيّر ملامحها؟
جميل أن يستذكر اللبناني تلك المراحل من تاريخ تأسيس الدستور الذي ولد في حدود جغرافية حددها الانتداب الفرنسي بمساحة 10452 كلم مربع مع إعلان الجنرال غورو من قصر الصنوبر في بيروت لبنان الكبير. وفي ظل تنوّع ديمغرافي تغنّى به البابا الراحل يوحنا بولس الثاني، بأنّ لبنان رسالة بتشكيله الفسيفسائي بطوائفه المتعددة والتماسك فيما بينها، إلى الآن، ضمن صيغة «العيش المشترك».
وضع الدستور اللبناني في 23 أيار 1926، خلال فترة الانتداب الفرنسي، وأعلنه المندوب السامي الفرنسي، هنري دي جوفينيل، بعدما أقرّه مجلس الممثلين في ذلك الوقت. شهد الدستور تعديلات مفصلية، أبرزها في عام 1943 لتكريس الاستقلال، وبعدما كانت تعديلات «اتفاق الطائف» في عام 1990 التي أدخلت مقدمة الدستور وأعادت توزيع الصلاحيات. إضافة إلى تهميش اللبناني للكثير من بنوده، على قاعدة ما يتناسب مع مصالحهم، خصوصاً في انتخاب رئيس للبلاد، أو التعديل القسري لولاية مجلس النواب.
نتّفق على أن الدستور ليس كتاباً منزّلاً إذ تحمل مواده تعديلات تتناسب مع التغييرات التي تطال المجتمعات. لكنّ الواقع في لبنان بدأ يتخطى مبدأ التعديل ليطرح مسألة الجدوى من استمراريته في ظلّ التغييرات التي تعصف في المنطقة ومع استمرار حالة الانقسام العامودي بين اللبنانيين على قضايا أبسطها شكل التفاوض مع الإسرائيلي إن كان مباشراً أم غير مباشر.
دخلت المنطقة مع تراجع الدور الفرنسي والبريطاني ضمن المظلة الأميركية تحديداً الترامبية التي تعمل على رسم معالم جديدة لا تتشابه مع تلك التي رسمتها اتفاقية سايكس بيكو عام 1916. لكن وبعد مرور مئة عام، فالوصاية انتهت، والمظلة تبدّلت بأخرى، وقد ألمح إلى ذلك رئيس وزراء إسرائيلي، بنيامين نتنياهو، الذي حدثنا عن الشرق الأوسط الجديد، بعدما أدخلت حروبه العبثية منذ السابع من أكتوبر 2023، المنطقة في فوضى خلاقة من أجل إعادة بنائها بما يتناسب مع المصالح الأميركية.
لا نقاش في إن اللبناني يعيش اليوم أزمة دستورية، تتعلق في كيفية تفسير بعضاً من المواد الدستورية. إذ إن المشرع الذي ترك هامشاً من التفسيرات عند القانونيين، سبب لدى التركيبة النيابية والدستورية الحالية جدلاً بيزنطياً. إذ يدور النقاش الدستوري اليوم، على سبيل المثال، حول صلاحية رئيس البلاد بخوض مفاوضات مع الإسرائيلي، تحديداً في ما يتعلق بالمادة «52» منه والتي تنص صراحة على أن رئيس البلاد هو من يتولى المفاوضة في عقد المعاهدات الدولية وإبرامها بالاتفاق مع رئيس الحكومة.
على شكل المفاوضات اختلف اللبناني، وفي تشكيل اللجان المفاوضة الأمنية والسياسية تكمن عقدة التمثيل، من خلال معارضة الثنائي الشيعي على التسمية، بهدف عدم إضفاء صبغة شرعية في حال غياب ممثلها في هذه اللجان. لم يعد الأمر يتوقع عند التشابك الدستوري بين مكونات الوطن، إذ باتت تخرج أصوات من المسيحيين تدعو إلى تطبيق نظام الفدرالي في لبنان إن كان مستحيل التقسيم.
في ظلّ حالة التخبّط الدستوري الذي يعيشه لبنان، وفي منطقة لم يزل صوت الحرب فيها يعلو على كافة الأصوات، تطبّق إسرائيل في المناطق الجنوبية للبنان «الجدار الحديدي» الذي تحدث عنه أحد أشهر آباء الصهاينة التصحيحية، فلاديمير زابونسكي، معتبراً أن السكان الأًصليون لن يقبلوا طوعاً مشروعاً يقتلعهم سياسياً وتاريخياً، ولذلك فإن الطريق ليس الإقناع، بل فرض ميزان قوة صلب يجعل المقاومة تبدو عبثية.
لم يعد الحديث عن تغيير ديمغرافي لسكان الجنوب والضاحية الجنوبية لبيروت وربما بعلبك من سرد الخيال، لكنّه أصبح واقعياً مع استمرار التهجير والتدمير الإسرائيلي في هذه المناطق. فهذا الواقع الأليم الذي يرسمه الإسرائيلي، يضاف إلى واقع الاشتباك الدستوري الذي يصنعه اللبناني، يستفيد منه المشروع الترامبي ليفرض السلام بين لبنان وإسرائيل، وربما أبعد من خلال تحقيق منطقته الاقتصادية العازلة التي تحدّث عنها في أكثر من مناسبة، فهل فعلا انتهت صلاحية دستور 1926؟