ماذا ترك الشيخ حمد للبنانيين؟
سحر ناصر
ليس كلّ من يدخل تاريخ لبنان يخرج منه مكرّماً. فقد شكّل لبنان على مرّ التاريخ اختباراً عسيراً للقادة والدول والجيوش، ومقياساً لقدرتهم على صنع السلام. ولعلّ أصعب ما في هذا البلد، أنه وطنٌ يختلف أبناؤه على كل شيء، فاللبنانيون نادراً ما يجتمعون على موقفٍ واحد، لكنهم التقوا على اختلاف طوائفهم بقلبٍ كسير لرحيل صاحب السمو الأمير الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني. وفي استثناءٍ يكاد يكون فريداً في التاريخ اللبناني المُعاصر، رُفعت الصلوات من مختلف الطوائف والمذاهب والانتماءات بالدعاء لرجل دولة ارتبط اسمه في الذاكرة اللبنانية، لا بحربٍ أشعلها، ولا بمحورٍ انحاز إليه، بل بتسويةٍ أنقذت وطنهم من الانهيار، وإعمارٍ أعاد الأمل، ورؤيةٍ آمنت بأن الحوار أقوى من الغلبة، وأنّ الوحدة تنتصر على الانقسام. في وداع الأمير يتجاوز استحضار دوره في لبنان حدود الرثاء، واستذكار المحطات، بل يفرض سؤالاً سيبقى حاضراً في وجدان اللبنانيين: ماذا ترك الشيخ حمد للبنانيين؟ وكيف أجمعوا على محبّته، بينما أخفق الآخرون؟ الإجابة عن هذا السؤال تكشفُ جانباً مهماً من فلسفة الأمير السياسية تجاه لبنان. فالراحل لم يدخل باحثاً عن نفوذ، بل باحثاً عن دولة تُدرك قيمة ثرواتها البشرية. وفي الوقت الذي كانت تنظر فيه القوى الإقليمية إلى اللبنانيين باعتبارهم ساحةً لتصفية الحسابات أو أدوات لتعزيز مصالحها، لم يُرجّح الراحل كفة فريق على آخر، بل حرص في كل مواقفه على إعادة بناء التوازن الذي يحفظ مفهوم الدولة اللبنانية الحاضنة للجميع، وبذل جهوداً جبّارة لمنع انهيار وطن عزيز. ولم تقتصر وساطته لإنقاذ لبنان على المستوى السياسي فحسب، فقد تجلّت أيضاً بالميدان. ففيما انشغل الجميع بتسجيل المواقف السياسية خلال حرب تموز 2006، اختارت قطر بقيادة الراحل أن تكون حاضرة على الأرض، فموّلت إعادة إعمار عدد من القرى والبلدات الجنوبية التي دمرتها الحرب، وشيّدت المناطق المُدمّرة، وكان في ذلك رسالة سياسية وأخلاقية عظيمة مفادها أن: التضامن الحقيقي يبدأ بإعادة الناس إلى بيوتهم، وإعادة الاطمئنان إلى قلوبهم، وإعادة الحياة إلى مجتمعاتهم. ثم جاء الاختبار الحقيقي عام 2008، عندما بلغ الانقسام اللبناني ذروته، وكان لبنان على حافة الانزلاق إلى مواجهة داخلية جديدة. يومها نظر الشيخ حمد إلى الأزمة اللبنانية باعتبارها مسؤولية عربية لا فرصة لاستغلال الانقسامات. فاستضاف الفرقاء اللبنانيين، وأشرف على إدارة الحوار بينهم، وشهد انتخاب رئيس للجمهورية، وتشكيل حكومة وحدة وطنية، وفتح الباب أمام استعادة الحد الأدنى من الاستقرار لهذا الشعب. حين وقف الراحل يُخاطب مجلس النواب اللبناني، لم يتحدث بلغة المنتصر الذي يفاخر بما حققه، ولم يتصرف كوصيّ كما عهدنا غيره من الحكّام، بل أكّد أن مستقبل لبنان يصنعه اللبنانيون أنفسهم، وأن وحدتهم الوطنية هي الضمان الحقيقي لوطنهم، وأن الحوار ليس خياراً مؤقتاً تفرضه الظروف، بل منهج دائم لحمايتهم، وأوصانا أنّ الوطن أولى من الطائفة، وأن المصلحة العامة تعلو على المصالح الفئوية. برحيل الأمير، لم يفقد اللبنانيون رجل دولة توسط في أزمة، بل فَقدَ قائداً آمن بأن إنقاذ لبنان هو الإرث الذي يجب أن نتمسّك به، وأن إعادة بناء الإنسان لا تقل أهمية عن إعادة بناء الحجر، وأن الحوار مهما بدا شاقاً يبقى أقل كلفة من الحروب التي لا تنتهي. لقد ترك الفقيد لنا كلبنانيين إرثاً عظيماً. وعلّمنا أنّ الثقة لا تُبنى بالشعارات وإنما بالأفعال؛ وأنّ الوطن لا يُبنى بالغلبة أو الانقسامات، بل بالتكاتف والوحدة في وجه الأزمات. بين الجبل، وبيروت، وطرابلس، والضاحية الجنوبية، والجنوب الذي نهض من الركام، ومجلس النواب الذي دعا من على منبره إلى الوحدة والحوار، يمتد إرث قائدٍ عربي، أدرك أنّ أعظم ما يمكن أن يقدّمه العربي لأخيه العربي ليس الانحياز إليه، بل مساعدته على أن ينتصر لوطنه في كلّ الأزمان. رحم الله الأمير وأسكنه فسيح جناته.






