هل تنجح مفاوضات روما في الخروج من عباءة الجولات السابقة أم ستبقى تدير الأزمة؟
مع انطلاق جولة جديدة من المفاوضات بين الوفدين اللبناني والإسرائيلي برعاية أميركية في العاصمة الإيطالية روما، لا يبدو رئيس مجلس النواب نبيه بري متحمّساً لما يمكن أن تحمله هذه الجولة من نتائج، بل يتعامل معها بكثير من البرودة السياسية، انطلاقاً من قناعة راسخة لديه بأن ما يجري لا يزال يدور في الحلقة نفسها التي طبعت الجولات السابقة، من دون مؤشرات فعلية على انتقال المفاوضات إلى مرحلة إنتاج حلول حقيقية.
هذا الموقف لا يعكس رفضاً للمسار التفاوضي بحد ذاته، بقدر ما يعكس تشكيكاً بجدّية الطرف الإسرائيلي في الالتزام بما سبق أن وافق عليه، ولا سيما في ما يتعلق بوقف الاعتداءات، والانسحاب من القرى والبلدات التي يحتلها في الجنوب، وإطلاق الأسرى وعودة النازحين، وإطلاق مسار يعيد الاستقرار إلى الجنوب وفق قواعد واضحة وثابتة.
فالقراءة التي تسود الأوساط السياسية القريبة من عين التينة تقوم على أن أي تفاوض لا يسبقه تنفيذ الالتزامات الأساسية، سيبقى مجرد إدارة للأزمة وليس حلاً لها. ومن هنا، فإن العودة إلى طاولة التفاوض، من دون تبدّل في الوقائع الميدانية، تعني عملياً إعادة إنتاج النقاشات نفسها التي استهلكت الكثير من الوقت خلال الأشهر الماضية.
وتعتبر هذه القراءة أن إسرائيل ما زالت تعتمد سياسة مزدوجة، فهي من جهة تشارك في المفاوضات، ومن جهة أخرى تواصل فرض وقائع ميدانية جديدة عبر استمرار عملياتها العسكرية والاعتداءات المتكررة، وجرف وحرق البيوت الأمر الذي يجعل أي تقدم سياسي فاقداً للثقة المطلوبة بين الطرفين.
ولا يخفي كثيرون أن الرئيس بري، الذي راكم خبرة طويلة في إدارة الملفات التفاوضية، ينظر إلى هذا النوع من المفاوضات من زاوية النتائج لا الاجتماعات، فهو لا يقيس نجاح أي جولة بعدد الساعات التي تستغرقها أو بحجم اللقاءات التي تعقد، بل بما تنتجه من التزامات قابلة للتنفيذ على الأرض.
ولهذا السبب، تبدو روما بالنسبة إليه محطة إضافية ضمن مسار طويل لم ينجح حتى الآن في كسر الجمود. فالتجارب السابقة، سواء في الناقورة أو في واشنطن التي استضافت لقاءات مشابهة، أظهرت أن العقبة الأساسية لا تكمن في آليات التفاوض، بل في غياب الإرادة السياسية لدى إسرائيل لتنفيذ ما يُتفق عليه.
وفي المقابل، تدرك الدولة اللبنانية أن المجتمع الدولي ما زال يدفع بقوة نحو استمرار هذا المسار، انطلاقاً من اعتباره أن إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة أفضل من انهيارها بالكامل، لأن البديل سيكون عودة التصعيد العسكري إلى الواجهة، وهو ما لا تريده القوى الدولية في ظل اشتعال أكثر من ساحة في المنطقة.
غير أن هذا المنطق الدولي لا يبدّد المخاوف اللبنانية من أن تتحوّل المفاوضات إلى غطاء لشراء الوقت، فيما يستمر استنزاف الجنوب، وتتواصل الاعتداءات، وتتأخّر عملية إعادة الإعمار، ويبقى آلاف المواطنين عاجزين عن العودة الطبيعية إلى قراهم وأراضيهم.
وتذهب أوساط سياسية إلى الاعتقاد بأن الجولة الجديدة في روما تأتي أيضاً في إطار محاولة دولية لإبقاء الوضع تحت السيطرة إلى حين اتضاح صورة المشهد الإقليمي، ولا سيما في ضوء استمرار التوتر بين الولايات المتحدة وإيران، وهو ما يجعل الملف اللبناني جزءاً من لوحة إقليمية أعقد بكثير من مجرد نزاع حدودي.
ومن هنا، فإن التشاؤم الذي يحيط بموقف رئيس المجلس لا يرتبط فقط بأداء إسرائيل، بل أيضاً بطبيعة المرحلة الإقليمية، حيث تتداخل الحسابات العسكرية والسياسية والدبلوماسية، ما يجعل أي اختراق كبير أمراً بالغ الصعوبة في الوقت الراهن.
في المقابل، لا يبدو لبنان في وارد الانسحاب من المسار التفاوضي، لأن استمرار التواصل مع الوسطاء يمنحه فرصة تثبيت مواقفه القانونية والسياسية، ويضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته، لكنه في الوقت نفسه لا يريد أن تتحوّل المفاوضات إلى عملية مفتوحة بلا سقف زمني أو أهداف واضحة.
ويعتقد مراقبون أن أحد أبرز التحدّيات يتمثل في قدرة الوفد اللبناني على الحفاظ على وحدة الموقف الداخلي، لأن أي تباين في المقاربة السياسية سيمنح إسرائيل هامشاً أوسع للمناورة، ولذلك، فإن التمسّك بالثوابت الوطنية يبقى عاملاً أساسياً في أي تفاوض، مهما تعددت الضغوط الخارجية.
وفي هذا السياق، تبدو عين التينة حريصة على التأكيد أن الأولوية يجب أن تبقى لتطبيق الالتزامات القائمة قبل البحث في أي ترتيبات إضافية، لأن بناء الثقة لا يتحقق عبر الوعود، بل عبر خطوات عملية تبدأ بوقف الاعتداءات والانسحاب من الأراضي المحتلة واحترام السيادة اللبنانية.
ومع ذلك، لا يمكن إغفال أن مجرد انعقاد جولة جديدة يحمل دلالة سياسية مفادها أن خيار التفاوض لم يسقط بعد، وأن المجتمع الدولي لا يزال يعتبر الحلول الدبلوماسية ممكنة، حتى وإن كانت بطيئة وشاقة.
لكن بين التفاؤل الدولي والحذر اللبناني، تبقى الحقيقة أن نجاح مفاوضات روما لن يقاس بالبيانات التي ستصدر عنها، ولا بالصور التي ستلتقط للمشاركين، بل بما إذا كانت ستنجح في كسر الحلقة المفرغة التي دارت فيها الجولات السابقة.
فإذا بقيت إسرائيل متمسّكة بسياسة فرض الوقائع بالقوة، فإن روما لن تكون سوى محطة جديدة في مسلسل المراوحة. أما إذا حملت الجولة تحوّلاً عملياً يترجم على الأرض، فقد تفتح نافذة مختلفة أمام الجنوب اللبناني الذي ينتظر منذ أشهر نهاية فعلية لدورة التوتر والاستنزاف.
حتى الآن، يبدو أن الرئيس نبيه بري يفضّل الرهان على الوقائع لا التوقّعات، وعلى التنفيذ لا الوعود، ولذلك يتعامل مع جولة روما باعتبارها اختباراً جديداً لصدقية المسار التفاوضي، لا نقطة تحوّل حاسمة فيه. وبين هذا الحذر اللبناني والإصرار الدولي على مواصلة التفاوض، يبقى السؤال مفتوحاً: هل تنجح روما في الخروج من عباءة الجولات السابقة، أم أنها ستنضم إلى سلسلة الاجتماعات التي أدارت الأزمة من دون أن تقترب من حلّها؟






