بيروت - لبنان

اخر الأخبار

18 أيار 2026 12:00ص هل يقود «الخوف» العالم إلى حربٍ كبرى؟

حجم الخط
د. رشا أبو حيدر

منذ أكثر من ألفي عام كتب المؤرخ اليوناني ثوسيديديس عبارته الشهيرة وهو يروي الحرب بين أثينا وإسبرطة: «صعود أثينا والخوف الذي زرعته في إسبرطة جعلا الحرب حتمية».
ورغم مرور القرون، لا يزال هذا الوصف حاضراً بقوة في السياسة الدولية الحديثة، حتى تحوّل إلى مفهوم استراتيجي يُعرف باسم «فخ ثوسيديديس»، أي الحالة التي قد تنشأ عندما تصعد قوة جديدة بسرعة فتشعر القوة المهيمنة بالخوف من فقدان موقعها، ما يدفع الطرفين إلى التوتر وربما الصدام.
اليوم، يُستحضر هذا المفهوم كلما جرى الحديث عن العلاقة بين الصين والولايات المتحدة. فالعالم يعيش مرحلة انتقال دقيقة؛ الصين تتحوّل تدريجياً إلى قوة عالمية تنافس واشنطن اقتصادياً وتكنولوجياً وعسكرياً، بينما تحاول الولايات المتحدة الحفاظ على موقعها الذي احتفظت به منذ نهاية الحرب الباردة.
لكن جوهر «فخ ثوسيديديس» لا يعني أن الحرب حتمية، بل إن الخطر يكمن في سوء التقدير والخوف المتبادل. فالتاريخ يُظهر أن القوى الكبرى قد تنزلق أحياناً إلى المواجهة لأنها تفسر خطوات الطرف الآخر باعتبارها تهديداً مباشراً، حتى لو لم يكن أحد يريد الحرب فعلاً.
ولهذا كان استحضار الرئيس الصيني شي جين بينغ للمصطلح في حديثه مع دونالد ترامب رسالة سياسية عميقة. فبكين أرادت القول إن التعامل مع الصين بوصفها «عدواً حتمياً» قد يدفع العالم إلى صناعة الصراع بنفسه.
فالولايات المتحدة تنظر بقلق إلى التوسّع الصيني في مجالات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والبحرية العسكرية وسلاسل الإمداد العالمية، خصوصاً بعدما أصبحت الصين ثاني أكبر اقتصاد في العالم ومنافساً مباشراً للنفوذ الأميركي. وفي المقابل، ترى بكين أن العقوبات الاقتصادية والتحالفات العسكرية الأميركية في آسيا ليست سوى محاولة لإبطاء صعودها ومنعها من الوصول إلى مكان تعتبره حقاً تاريخياً.
غير أن القلق من الصين لا يقتصر على واشنطن وحدها. فهناك دول آسيوية عديدة تخشى بدورها من تنامي النفوذ الصيني، خاصة في بحر الصين الجنوبي، كما أن ملف تايوان يبقى أحد أخطر نقاط التوتر في العالم. فالصين تعتبر الجزيرة جزءاً من سيادتها الوطنية، بينما ترى الولايات المتحدة أن سقوط تايوان بالكامل ضمن النفوذ الصيني سيغيّر ميزان القوى في آسيا والمحيط الهادئ.
ورغم هذا التصعيد، يدرك الطرفان أن الحرب المباشرة ستكون مكلفة بصورة هائلة. فالعالم اليوم مترابط اقتصادياً بشكل غير مسبوق؛ الأسواق الأميركية تعتمد على التصنيع الصيني، والصين تحتاج بدورها إلى التكنولوجيا الغربية والأسواق العالمية. وأي مواجهة كبرى لن تهدّد دولتين فقط، بل قد تهزّ الاقتصاد العالمي بأكمله.
كما أن المشهد الدولي لم يعد ثنائي القطبية بالكامل. فهناك قوى أخرى تحاول إعادة رسم التوازنات الدولية مثل روسيا والهند، إضافة إلى الدور الأوروبي المتردد بين الشراكة مع واشنطن والحفاظ على المصالح الاقتصادية مع بكين. وهذا يجعل الصراع أكثر تعقيداً من مجرد مواجهة مباشرة بين قوتين عظميين.
في النهاية، قد لا يكون «فخ ثوسيديديس» نبوءة بالحرب، بل تحذيراً منها. فالتاريخ لا يُعيد نفسه حرفياً، لكنه يذكّر دائماً بأن أخطر الحروب ليست تلك التي تُخطط لها الدول بوضوح، بل تلك التي تنفجر بسبب الخوف وسوء الحسابات والاعتقاد بأن الصدام أصبح أمراً لا مفر منه.
«في عالمٍ تملك فيه القوى الكبرى القدرة على تدمير الكوكب أكثر من مرة، قد لا يكون أخطر ما يواجه البشرية هو السلاح نفسه... بل الخوف الذي يدفع إلى استخدامه».