وجع وطن... إلى أين يمضي لبنان؟
محمد جارودي
لم يعد المواطن اللبناني يتفاجأ حين تذوب بارقة أمل بدأت تلوح في الأفق خلال ساعات معدودة. فكم من مرة، في الأشهر القليلة الماضية وحدها، خُيّل إليه أن الأمور بدأت تأخذ منحى أفضل، قبل أن تباغته أزمة طارئة تعيده إلى المربع الأول؟ هذا التساؤل، على بساطته، يلخّص واقع بلد بأكمله يدور منذ سنوات في حلقة مفرغة من الأوجاع والاضطرابات. وما جرى في الأيام الأخيرة لم يخرج عن هذا النمط المتكرر: احتقان يتفاقم، تليه هدنة هشّة، ثم انتكاسة جديدة نحو التوتر. فالشرارة هذه المرة انطلقت من اتفاق أثار جدلاً وانقساماً، وانعكس في الشارع على شكل مواكب ودراجات نارية وقطع طرقات. ومع أن هذا المشهد بات مألوفاً، إلّا أنه في كل مرة يحمل القدر ذاته من القلق المشروع لدى مواطنين أنهكتهم الفوضى المتكررة، فيما يبقى المواطن، كعادته، عاجزاً إلّا عن المراقبة، يرى وطنه يتعب، وحياته تزداد قسوة يوماً بعد يوم.
لم يعد اللبناني يخاف فقط من الغلاء أو ضيق العيش، بل أصبح يخشى على أمنه، وعلى مستقبل أولاده، وعلى وطن كان يحلم أن يكون مساحة استقرار وكرامة. سنوات طويلة من الأزمات الاقتصادية والسياسية والأمنية أنهكت الناس، حتى باتت الطمأنينة حلماً بسيطاً يصعب بلوغه.
وحين ترتفع الدعوات إلى الحوار، أو تُطرح مبادرات تهدف إلى تخفيف الاحتقان، يتمسّك اللبنانيون بخيط رفيع من الأمل، لعلّ الأيام تحمل بداية مختلفة. لكن هذا الأمل سرعان ما يتراجع كلما عادت مشاهد التوتر إلى الشوارع، فتستيقظ في الذاكرة صور لم تندمل جراحها بعد.وما شهدته الأيام الأخيرة من تحركات رافضة للاتفاق، رافقتها مواكب للدراجات النارية جابت شوارع العاصمة وعدداً من المناطق، إضافة إلى قطع بعض الطرقات وإحراق الإطارات وأعمال ألحقت أضراراً بالممتلكات العامة والخاصة، أثار قلقاً مشروعاً لدى المواطنين الذين لم يعودوا يحتملون المزيد من الفوضى. فمن حق الجميع التعبير عن آرائهم ومواقفهم بالوسائل السلمية التي يكفلها القانون، لكن من حق الناس أيضاً أن يشعروا بالأمان، وأن يذهبوا إلى أعمالهم ومدارسهم ومنازلهم دون خوف أو ترهيب أو تعطيل لحياتهم.
ويبقى الأكثر ألماً أن كثيراً ممن يظهرون في مثل هذه المشاهد هم شباب في مقتبل العمر، كان يمكن أن يكونوا طاقة لبناء الوطن لا وقوداً للصراعات. فهم أيضاً أبناء هذا البلد، وضحايا واقعٍ أثقل كاهل الجميع، ويستحقون من يفتح أمامهم أبواب الأمل، لا من يدفعهم إلى مزيد من الانقسام والاحتقان.
إن السؤال الذي يردده اللبناني اليوم لم يعد: من ربح؟ ومن خسر؟ بل: متى نعيش حياة طبيعية؟ متى يعود الوطن مكاناً للأمان لا للخوف؟ ومتى يشعر المواطن أن القانون يحميه، وأن الدولة حاضرة في كل شارع وساحة، تحمي حق المعترض في التعبير، كما تحمي حق الناس في الأمن والاستقرار؟
هذه الكلمات ليست إدانة لطرف، ولا دفاعاً عن آخر، بل هي صرخة إنسان يخاف على وطنه، ويؤمن أن لبنان أكبر من خلافات أبنائه، وأن كرامة المواطن يجب أن تبقى فوق كل الحسابات السياسية. فلا وطن ينهض إذا عاش شعبه في قلق دائم، ولا دولة تستقيم إذا غابت هيبتها، وتراجع الاحتكام إلى القانون.
أكتب هذه الكلمات، لا بحثاً عن جدل، ولا انتصاراً لرأي، ولا استهدافاً لأحد، بل لأن الصمت أمام هذا الوجع أصبح نوعاً من العجز.
فقل لي... من يقرأ هذا الوجع؟ ومن يصغي إلى صوت الناس؟ ومن يسمع أنين وطنٍ لم يعد يطلب المستحيل، بل يطلب فقط أن يعيش أبناؤه بأمن وكرامة؟
ارحموا هذا الشعب الذي أنهكته الحروب والأزمات والانقسامات. ارحموا أماً تخشى على أبنائها، وأباً يكدّ ليؤمن لقمة العيش، وطفلاً يستحق أن يكبر على أصوات الحياة، لا على أصوات الخوف والتوتر. فالأوطان لا تُبنى بالغلبة، بل بالشراكة، ولا تستقر بالتصعيد، بل بالحكمة، ولا يحفظها إلّا العدل وسيادة القانون.
لقد تعب اللبنانيون من الانتظار، واشتاقوا إلى دولة تحميهم، وإلى وطن يجمع أبنائه جميعاً، وإلى مستقبل يمنحهم سبباً للبقاء لا اللهجرة، وسبباً للأمل لا لليأس.
فهل آن الأوان أن ينتصر صوت الحكمة على ضجيج الفوضى، وأن تسود هيبة الدولة وسيادة القانون، ليعود لبنان وطناً للحياة، لا ساحةً مفتوحة للأزمات؟






