العنف السياسي ليس مجرد امتداد للعنف المسلح، بل هو أكثر تعقيدا وخطورة، لأنه لا ينتهي بوقف إطلاق النار، فحين تصمت المدافع، ترتفع الأصوات، وحين تنتهي المعارك، تبدأ السجالات التي قد تكون أكثر فتكا لأنها تعيد إنتاج الانقسام بدل معالجته.
لبنان اليوم يقف في قلب هذه المفارقة، بلد يغرق في فائض من العقل النقدي، ويعاني في المقابل من شح غير مسبوق في العقل الإبداعي السياسي، الجميع يحلل، يشخص، يدين، ويفكك، لكن قلة قليلة فقط تبادر، تبتكر، وتقترح مخارج حقيقية.
المشكلة ليست في النقد، فالنقد ضرورة لأي حياة سياسية ابداعية سليمة، لكن الخطورة تبدأ عندما يتحول النقد إلى بديل عن الإبداع، وعندما يختزل الفعل السياسي في توصيف الأزمات بدل حلها، عندها يصبح المجال العام فضاء من الضجيج بدل الإنتاج، والهدم بدل البناء.
التباس الأدوار بين العقل النقدي والعقل الخلقي يؤدي الى كوراث وطنية، فالناقد ليس بالضرورة صانعا للحلول، كما أن تحليل الأزمة لا يعني القدرة على الخروج منها، وحين تتراجع العقول الخلاقة، وتتقدم الأصوات النقدية، يصبح العنف السياسي مقدمة طبيعية لأي انفجار أمني.
لبنان لا يحتاج إلى مزيد من الأصوات، بل إلى مزيد من الأفكار، لا يحتاج إلى توصيف إضافي لأزماته، بل إلى جرأة في إنتاج حلولها، ويحتاج إلى إعادة تعريف بديهيات الحياة السياسية الوطنية، الدولة، الكيان، المكونات، النظام، السيادة، المواطن، الهوية، الدستور، السلطات، القطاعات العامة والخاصة، التاريخ، المستقبل، الطاقات البشرية والطبيعية، التحديات، الطموحات.
لبنان يحتاج إلى استعادة التوازن بين العقل النقدي والعقل الإبداعي، لأن النقد وحده لا يبني دولة، كما أن الإبداع وحده لا يستقيم من دون النقد البناء، والتوازن بينهما هو شرط الخروج من فوضى العنف السياسي إلى الانتظام ، على قاعدة الحق بالموالاة قبل الحق بالمعارضة.
اننا نعيش في بلد تتنازع فيه الهويات، وتتصادم فيه الروايات، لا خلاص إلا بعقل سياسي خلاق، قادر على تحويل الخلاف إلى تسوية، والانقسام إلى شراكة، والخوف إلى مشروع وطني جامع، بما يعيد التوازن والانتظام بين العقل النقدي والعقل الابداعي في لبنان.