19 كانون الثاني 2021 09:48ص شبهات في موقف الإسلام من بناء دور العبادة عند غير المسلمين

حجم الخط

ليس اختيار هذا العنوان ينفي أن يكون موقف بعض المنتمين الى الأديان الأخرى متسامحاً في بناء المساجد، فلقد شهدنا سابقاً وحاضراً وفي أكثر من بلد ظاهرة هدم المساجد وحرقها وتحويلها الى اسطبلات للحيوانات أو خمارات. بل وأن تصريحات بعض القادة الدينيين غير المسلمين ما تزال تتجنى إلى اليوم على الإسلام وتعتبره ليس دينا"، وأن "المسلمون يقفون دائما مع الحرب". رغم أن هذه الجدلية التي كانت منتشرة في عصور الظلام قد أسدل الستار عليها المجمع الفاتيكاني الثاني (1962-1965) الذي ورد فيه في فصل "نوسترا آيتات” : " أن الكنيسة تنظر بتقدير إلى المسلمين أيضا، الذين يعبدون الله الواحد، الحي القيوم، الرحمن القدير بارئ السماء والأرض، ومكلم الناس..."

كما في ظاهرة انتشار موجة الأصوات الشاذة المسيئة الى الإسلام، فقد ظهرت في الجانب الإسلامي أصوات شاذة تناولت موقف الإسلام من بناء الكنائس ودور العبادة لغير المسلمين. ولعل الردود التي أصدرتها دار الإفتاء المصرية كافية لردع هذه الأصوات التي تقتات على زرع الفتن وإثارة النعرات الطائفية بين المسلمين والمسيحيين. إنطلاقاً من هذه الردود فإن موقف الإسلام الذي لا التباس فيه يمكن استخلاصه مما يأتي :

أمر الإسلام أتباعه بترك الناس وما اختاروه من أديانهم، ولم يُجبِرْهم على الدخول في الإسلام قهرًا، وسمح لهم بممارسة طقوس أديانهم في دور عبادتهم، وضمن لهم من أجل ذلك سلامة دور العبادة، وأَوْلاها عناية خاصة؛ فحرم الاعتداء بكافة أشكاله عليها. وجعل القرآن الكريم تغلُّب المسلمين وجهادهم لرفع الطغيان ودفع العدوان وتمكين الله تعالى لهم في الأرض سببًا في حفظ دور العبادة من الهدم وضمانًا لأمنها وسلامة أصحابها، سواء أكانت للمسلمين أم لغيرهم، وذلك في قوله تعالى: ﴿ وَلَوْلَا دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ﴾ [الحج: 40-41].

قال ابن عباس رضي الله عنهما: "الصوامع : التي تكون فيها الرهبان، والبِيَع: مساجد اليهود، وصلوات: كنائس النصارى، والمساجد: مساجد المسلمين". وبذلك جاءت السنة النبوية الشريفة ؛ فكتب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لأسقف بني الحارث بن كعب وأساقفة نجران وكهنتهم ومن تبعهم ورهبانهم: «أنّ لهم على ما تحت أيديهم من قليل وكثير من بيعهم وصلواتهم ورهبانيتهم، وجوار الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم، ألّا يُغَيَّرَ أسقف عن أسقفيته، ولا راهب عن رهبانيته، ولا كاهن عن كهانته، ولا يغير حق من حقوقهم، ولا سلطانهم، ولا شيء مما كانوا عليه؛ ما نصحوا وأصلحوا فيما عليهم، غيرَ مُثقَلين بظلم ولا ظالمين»

وقد كلفت الشريعة الإسلامية المسلمينَ بتوفير الأمان لأهل الكتاب في أداء عبادتهم، وهذا كما يقتضي إبقاء الكنائس ودور العبادة على حالها من غير تعرض لها بهدم أو تخريب، وإعادتها إذا انهدمت أو تخربت، فإنه يقتضي أيضًا جواز السماح لهم ببناء الكنائس وأماكن العبادة عند احتياجهم إلى ذلك؛ فإن الإذنَ في الشيء إذنٌ في مُكَمِّلات مَقصودِه؛ وإلا فكيف يُقرّ الإسلام أهل الذمة على بقائهم على أديانهم وممارسة شعائرهم ثم يمنعهم من بناء دور العبادة التي يتعبدون فيها عندما يحتاجون ذلك! فما دام أنَّ المسلمين قد ارتضوا بمواطنة غير المسلمين، ومعايشتهم، وتركهم وما يعبدون، والحفاظ على مقدساتهم وأماكن عبادتهم؛ فينبغي أن يجتهدوا في توفير دور العبادة لهم وسلامة تأديتهم لعبادتهم.

وإذا كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد أقرَّ في عام الوفود وفد نصارى نجران على الصلاة في مسجده الشريف، والمسجد هو بيت الله المختص بالمسلمين، فإنه يجوز -مِن باب أَوْلَى- بناءُ الكنائس ودور العبادة التي يؤدون فيها عباداتهم وشعائرهم التي أقرهم المسلمون على البقاء عليها إذا احتاجوا لذلك.

وعلى ذلك جرى عمل المسلمين عبر تاريخهم المشرف وحضارتهم النقية وأخلاقهم النبيلة السمحة؛ منذ العصور الأولى وعهود الصحابة والتابعين وهلم جرًّا. فنصَّ عالِما الديار المصرية: الإمام المجتهد المحدث الفقيه أبو الحارث الليث بن سعد، والإمام المحدث قاضي مصر أبو عبد الرحمن عبد الله بن لهيعة على أن كنائس مصر لم تُبْنَ إلا في الإسلام، وأشارا على والي مصر في زمن هارون الرشيد موسى بن عيسى بإعادة بناء الكنائس التي هدمها مَن كان قبله، وجعلا ذلك مِن عمارة البلاد، وكانا أعلم أهل مصر في زمنهما بلا مدافعة.

وأنَّ ما قاله جماعة من الفقهاء بمنع إحداث الكنائس في بلاد المسلمين: هي أقوال لها سياقاتها التاريخية وظروفها الاجتماعية المتعلقة بها؛ حيث مرت الدولة الإسلامية منذ نشأتها بأحوال السلم والحرب، وتعرضت للهجمات الضارية والحملات الصليبية التي اتخذت طابعًا دينيًّا يغذيه جماعة من المنتسبين للكنيسة آنذاك، مما دعا فقهاء المسلمين إلى تبني الأقوال التي تساعد على استقرار الدولة الإسلامية والنظام العام من جهة، ورد العدوان على عقائد المسلمين ومساجدهم من جهة أخرى. ولا يخفى أن تغير الواقع يقتضي تغير الفتوى المبنية عليه؛ إذ الفتوى تتغير بتغير العوامل الأربعة (الزمان والمكان والأشخاص والأحوال).

كما أنه إذا كانت الكنائس قد تعرضت في بعض الأحيان للهدم أو التخريب، فهذا الأمر مرتبط بأحوال شخصية كردودِ فعلٍ من بعض العوام لوقائع ما سُرعان ما كانت تنتهي آثارها وتتلاشى، أو انعكاسٍ لظروف سياسية خارجية؛ كما حدث من أهل مصر في العصر الإخشيدي حينما قام العامَّة بتخريب الكنائس لمَّا علموا بدخول البيزنطيون الشام عام (349هـ)، وأيضًا حينما ضربوا إحدى الكنائس في مصر القديمة لمَّا غزا الإمبراطور "نقفور" جزيرة "كريت" وضرب ما فيها من المساجد وقتل المسلمين وحاصرهم : يقول العلَّامة يحيى بن سعيد الأنطاكي في "تاريخه" : [ وفي سنة تسع وأربعون وثلاثمائة حوصرت "أقريطش" –كريت- حاصرها نقفور الفقاس الدمستق، وفتحها بعد حصار عشرة أشهر، وقُتل فيها خلق كثير عظيم لا يحصى، وسبا جميع أهلها، ولم يسلم منهم إلاّ نفر يسير من الرجال الذي تعلّقوا في رؤوس الجبال.. وورد إلى مصر الخبر ليلة الجمعة، قبل عيد الشعانين بيومين، سنة خمسين وثلاثمائة، فوثبَ الخرافيش والرمادية والفواغ إلى كنيسة ميكائيل التي بقصر الشمع، فهدموا منها ونهبوا ما كان فيها، ونهبوا أيضًا كنيسة ماري تاودورس، وكنيستي النّسطوريّة، وكنيسة القبط التي تعرف بكنيسة البطرك، وكان على النصارى حزنٌ عظيمٌ].

وتُمثِّلُ هذه الأفعال استثناءً لما كان عليه حال الأُمة الإسلامية وحكومتها من التسامح والتعايش وتعزيز المواطنة بحماية غير المسلمين وحفظ دور عبادتهم ورعاية حقوقهم.

كما أن الأمر بتخريب دور العبادة أو هدمها مخالف؛ لما أمر به الشرع على سبيل الوجوب من المحافظة على خمسة أشياء أجمعت كل الملل على وجوب المحافظة عليها، وهي: الأديان، والنفوس، والعقول، والأعراض، والأموال، وهي المقاصد الشرعية الخمسة. ومن الجليّ أن القول بهدم الكنائس تَكرُّ على بعض هذه المقاصد الواجب صيانتها بالبطلان، ومنها حفظ الأديان.

ولا يصح جعل هذه الأقوال حاكمة على الشريعة بحال؛ إذ لا يوجد نص شرعي صحيح صريح يمنع بناء الكنائس ودور العبادة وإحداثها في بلاد المسلمين عندما يحتاج إليها أهل الكتاب من رعايا الدولة الإسلامية، بل الأدلة الشرعية الواضحة ومُجمَل التاريخ الإسلامي وحضارة المسلمين - بل وبقاء الكنائس والمعابد نفسها في طول بلاد الإسلام وعرضها، وشرقها وغربها، في قديم الزمان وحديثه، واستحداث كثير منها في بلاد المسلمين في العهود الإسلامية - كل ذلك يشهد بجلاء كيف احترم الإسلام دور العبادة وأعطاها من الرعاية والحماية ما لم يتوفر لها في أي دين أو حضارة أخرى.

أمر الإسلام بإظهار البر والرحمة والقسط في التعامل مع المخالفين في العقيدة؛ فقال تعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الممتحنة: 8].

ونصَّ أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه في عهده لأهل القدس على حريتهم الدينية وأعطاهم الأمانَ لأنفسهم والسلامةَ لكنائسهم؛ وكتب لهم بذلك كتابًا؛ جاء فيه : "بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما أعطى عبدُ الله عمرُ أميرُ المؤمنين أهلَ إيلياء من الأمان؛ أعطاهم أمانًا لأنفسهم وأموالهم ولكنائسهم وصلبانهم وسقيمها وبريئها وسائر ملتها: أنه لا تُسكَنُ كنائسُهم ولا تُهدَمُ ولا يُنتَقَصُ منها ولا مِن حَيِّزها ولا من صَلِيبهم ولا من شيء من أموالهم، ولا يُكرَهون على دينهم، ولا يُضَارَّ أحد منهم.. "

وذكر ابن خلدون في "تاريخه" : [ أنَّ عمر بن الخطاب رضي الله عنه لمّا دخل بيتَ المقدس حان وقت الصلاة وهو في إحدى الكنائس، فقال لأسقفها: أريد الصلاة، فقال له: صلِّ موضعَك، فامتنع وصلّى على الدرجة التي على باب الكنيسة منفردًا، فلما قضى صلاته قال: "لو صلَّيْتُ داخلَ الكنيسة أخذها المسلمون بعدى وقالوا: هنا صلَّى عمر]

وطلب أهل بعلبك من أبي عبيدة عامر بن الجراح رضي الله عنه الأمان على أنفسهم وكنائسهم فأعطاهم بذلك كتابًا؛ كما جاء في "فتوح البلدان"، وكذلك فعل مع أهل حمص وأهل حلب؛ كما جاء في "فتوح البلدان)، وكذلك فعل حبيب بن مسلمة رضي الله عنه بأهل دَبِيل، وهي مدينة بأرمينية؛ حيث أمَّنهم على أنفسهم وأموالهم وكنائسهم وبِيَعِهم نصاراها ومجوسها ويهودها شاهدهم وغائبهم. وكتب لهم بذلك كتابًا، وكان ذلك في عهد الخليفة الراشد عثمان بن عفان رضي الله عنه؛ كما في "فتوح البلدان".

كما رفَضَ الخليفةُ عمر بن عبد العزيز بشدَّة هدم الكنائس أو تخريبها حينما طُلب منه ذلك، وقال: إنَّ أصحاب هذه الكنائس هم من الرَعيَّةِ التي يجب علينا حمايتهم وتوفير الأمان لهم.

وقد تمتع النصارى في ظل هذه المُدن بحرياتٍ واسعةٍ في إنشاء كنائسهم والتعبد فيها، واشتُهرت هذه الكنائس بأبنيتها الشامخة وقبابها العالية وساحاتها الواسعة، مما جعل بعض الخلفاء يتخذها مَلْجَأً للترويح عن النفس بعيدًا عن متاعب الحكم وشئون البلاد كما في مدينة "المنصور" التي كانت محفوفة بالديارات النصرانية التي يلجأ إليها الزائرون من غير النصارى:

قال العلَّامة أبو الفرج الأصبهاني في "الديارات": خرجنا مع المأمون، فنزلنا الدير الأعلى بالموصل لطيبه ونزاهته، وجاء عيد "الشعانين"، فجلس المأمون في موضع منه حسن مشرف على دجلة والصحراء والبساتين، ويشاهد منه من يدخل الدير.. فرأى المأمون ذلك، فاستحسنه]. وقال العلَّامة الشابشتي في "الديارات": [وهذا العمر بالأنبار، على الفرات، وهو عمر حسنٌ كبير، كثير القلايات والرهبان، وعليه سور محكم البناء، فهو كالحصن له، والجامع ملاصقه، ولا يخلو من المتنزهين والمتظرفين، وله ظاهرٌ حسنٌ ومنظرٌ عجيبٌ، سيما في أيام الربيع؛ لأنَّ صحاريه وسائر أراضيه تكون كالحُلَلِ؛ لكثرة طرائف زهره وفنون أنواره، ومن اجتاز بالأنبار من الخلفاء ومن دونهم ينزله مدة مقامه].

هذه الأمور متعلقة بكيان الدولة الإسلامية، ومبنية على الاستقرار والنظام العام، نظرًا لما طرأ على الدولة من متغيرات عالمية ودولية وإقليمية ومحلية، وقيام الدولة المدنية الحديثة على مفهوم المواطنة الذي أقره النبي صلى الله عليه وآله وسلم في معاهدة المدينة المنورة، ومبدأ المعاملة بالِمثْلِ بين الدول، كان ذلك آكد في تصور رجحان المصلحة.

كما أخبر الله في القرآن الكريم أن هذا الاختلاف في الأديان يستوجب التعاون بين بني الإنسان، ويتطلب التنافس في حسن المعاملة وفعل الخير، وأن يظهر أهل كل دين جمال ما عندهم من القِيَم والأخلاق التي تدعو إليها الأديان، وأن الله هو الذي سيفصل يوم القيامة بين الجميع في أمر اختلافهم؛ فقال تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [البقرة: 148]، وقال سبحانه: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ [المائدة: 48].

ولتحقيق ذلك وضع النبي صلى الله عليه وآله وسلم "الدستور الإسلامي"، وأسَّس من خلاله مفهوم "المواطنة" الذي يقوم على المساواة في الحقوق والواجبات، دون النظر إلى أي انتماء ديني أو عرقي أو مذهبي أو أي اعتبار آخر، وأقام به منظومة التعايش والتسامح بين الانتماءات القبلية والعرقية والدينية، وسُمِّي "بصحيفة المدينة"، أقرّ فيها الناس على أديانهم، وأنشأ بين المواطنين عقدًا اجتماعيًّا قوامه: التناصر، والتكافل، والمساواة، وحرية الاعتقاد، والتعايش السلمي، وغير ذلك.

وعلى ذلك : ففكرة بذل الجزية من أهل الكتاب، والتزامهم بأحكام الإسلام، أصبحت معدومة تمامًا في ظل الأخذ بفقه الدولة الإسلامية الحديثة وتحت مفهوم مبدأ المواطنة والتعايش بين أبناء الدولة على اختلاف أديانهم ومعتقداتهم. فالمواطنة مبدأ إسلامي أقرته الشريعة الإسلامية، وهي في صورتها المتفق عليها معمول بها في دساتير العالم الإسلامي وقوانينه. وقد رسخ الإسلام مبدأ المواطنة منذ أربعة عشر قرنًا؛ وهو ما قام به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في وثيقة المدينة المنورة التي نصَّت على التعايش والمشاركة والمساواة في الحقوق والواجبات بين أبناء الوطن الواحد دون النظر إلى الانتماء الديني أو العرقي أو المذهبي أو أي اعتبارات أخرى، ومن ثَمَّ فهذا العقد من العقود والعهود المشروعة التي يجب الوفاء بها.

المسلمون مكلفون شرعًا بتحقيق الأمان لأهل الكتاب في أداء عباداتهم تحت مظلة الحكم الإسلامي، وهذا كما يقتضي إبقاء الكنائس ودور العبادة على حالها من غير تعرض لها بهدمٍ أو تخريب، فإنه يقتضي أيضًا جواز السماح لهم بإعادتها وترميمها إذا انهدمت أو تصدعت أو احتاجت للترميم. وعلى ذلك جماهير الفقهاء، وهو المعتمد عند المذاهب الفقهية الأربعة، بل ونص الفقهاء على جواز الوصية للكنائس فذهب القاضي أبو يعلى بن الفرّاء (ت: 458هـ) شيخ الحنابلة في عصره إلى صحة وصية المسلم للكنيسة إن لم يقصد إعظامَها بذلك؛ معلِّلًا بأن النفع فيها عائدٌ إلى أهل الذمة، والوصية لهم صحيحة، قال الإمام ابن قدامة الحنبلي في "المغني" (6/ 219): [وذكر القاضي أنه لو أوصى لحصر البِيَع وقناديلها، وما شاكل ذلك، ولم يقصد إعظامها بذلك، صحت الوصية؛ لأن الوصية لأهل الذمة، فإن النفع يعود إليهم، والوصية لهم صحيحة]

بناءً على ما تقدم، فإن بناء الكنائس جائزٌ شرعًا وفقًا للشريعة الإسلامية إذا احتاج أصحابها إلى ذلك في عباداتهم وشعائرهم التي أقرهم الإسلام على البقاء عليها، حيث إنَّ الشرع الشريف جعل تغلُّب المسلمين وجهادهم لرفع الطغيان ودفع العدوان وتمكين الله تعالى لهم في الأرض سببًا في حفظ دور العبادة، وليست هذه الدور معابد كفرية يُعبد فيها غير الله، ولم يَرِدْ المنعُ من ذلك في شيء مِن النصوص الصحيحة الصريحة، كما يجوز إعادة بناء ما تهدَّم وتلف منها وترميمه وإصلاحه، رعايةً للمصلحة العامَّة وضبط النظام العام والاستقرار المجتمعي، ولا يُعدُّ من يقول ذلك كافرًا أو مُرتدًا أو جاهلًا.. إلى آخر ما يدَّعيه المنكرون، وهذا ما عليه جماهير العلماء واستقرت عليه الأُمَّة سلفًا وخلفًا.