يخطئ كثيرون حين يحصرون أزمات لبنان والمنطقة في العوامل السياسية أو الاقتصادية أو في صراعات القوى الإقليمية والدولية. فهذه على أهميتها ليست سوى مظاهر لأزمة أعمق وأكثر رسوخاً. إن المعضلة الحقيقية التي نواجهها اليوم هي أزمة في بنية التفكير قبل أن تكون أزمة في بنية المؤسسات وأزمة في إنتاج المعنى قبل أن تكون أزمة في إدارة السلطة.
فالمجتمعات لا تنهار بسبب سوء الإدارة أو فساد الأنظمة فحسب، بل عندما تفقد قدرتها على مراجعة أفكارها وإعادة إنتاج أدواتها المعرفية. وعندما يتحوّل الفكر إلى تكرار والاجتهاد إلى تلقين والتراث إلى مجموعة من القوالب الجامدة التي تُستعاد دون مساءلة أو نقد، ويصبح العجز عن التغيير نتيجة طبيعية مهما تبدّلت الحكومات أو تغيّرت السياسات.
ما نشهده اليوم في لبنان وفي أجزاء واسعة من العالم العربي هو حالة من الجمود المعرفي لعقول مسطحة، حيث تتحوّل المفاهيم إلى مسلّمات مغلقة والتقاليد إلى غايات بحد ذاتها، بينما يُنظر إلى كل محاولة للتجديد أو إعادة النظر بوصفها تهديداً للهوية أو خروجاً على الثوابت. وهنا تكمن المفارقة الكبرى لأن جوهر الدين الحقيقي كما جوهر الوطنية الصادقة لا يقوم على الجمود بل على الفعل الخلاق والتجدد المستمر والقدرة على التفاعل مع المتغيّرات.
في هذا السياق لا يعود مفهوم «التفكير خارج الصندوق» مجرد شعار إداري حديث بل يصبح ضرورة حضارية. فالمجتمعات لا تستطيع الخروج من أزماتها باستخدام الأدوات الذهنية نفسها التي ساهمت في إنتاج تلك الأزمات. وهذا ما تؤكده نظريات البناء الاجتماعي الحديثة التي ترى أن الواقع ليس معطى ثابتاً بل هو بناء رمزي يتشكل عبر اللغة والثقافة والمؤسسات والتصورات الجماعية.
وقد بيّن عالما الاجتماع بيتر بيرغر وتوماس لوكمان أن المجتمعات تُنتج واقعها عبر ثلاث مراحل متتابعة، تبدأ بإنتاج المعنى ثم تثبيته داخل المؤسسات ومن ثم إعادة استبطانه في وعي الأفراد باعتباره أمراً طبيعياً لا يقبل النقاش. غير أن الخلل يظهر عندما تتحوّل المرحلة الأخيرة إلى حالة من الجمود فتُستبطن أفكار وقراءات تاريخية معينة وكأنها حقائق أبدية صالحة لكل زمان ومكان رغم تغيّر الظروف والمعطيات بصورة جذرية. عند هذه النقطة يتحوّل الاجتهاد إلى تقليد والعقل إلى تابع والمعرفة إلى إعادة إنتاج مستمرة لما سبق إنتاجه. وتصبح الأسئلة مصدر قلق بدل أن تكون مدخلاً للفهم ويُنظر إلى الاختلاف باعتباره تهديداً بدل أن يكون فرصة للإغناء والتطوير.
إن أخطر ما يمكن أن يصيب أي حضارة هو أن يتحوّل التقليد من أداة لحفظ الخبرة التاريخية إلى نظام لإغلاق العقل. فعندما تُضفى القداسة على التأويلات البشرية وتُعامل الاجتهادات التاريخية بوصفها نصوصاً نهائية، ينشأ ما يمكن تسميته بـ«الحاجز المعرفي» الذي يمنع المجتمع من إعادة قراءة ذاته والتفاعل مع عصره. من هنا تبرز أهمية إعادة النظر في التجارب الفكرية التي استطاعت في مراحل معينة من التاريخ الإسلامي أن تحقق توازناً بين الثبات والتجدد وبين النص والواقع وبين الهوية والانفتاح، وفي مقدمة هذه التجارب تبرز «المدرسة الأوزاعية» ومن بيروت قبل 1317 سنة والتي ارتبطت بفكر الإمام عبد الرحمن الأوزاعي (رضي).
لم تكن الأوزاعية مجرد مدرسة فقهية بين المدارس بل مثّلت في جوهرها رؤية حضارية متكاملة. فقد نشأت في بلاد الشام خلال مرحلة تاريخية شديدة التعقيد، شهدت انتقال العالم الإسلامي من العصر الأموي إلى العصر العباسي وما رافق ذلك من تحوّلات سياسية واجتماعية وفكرية عميقة. وفي خضم هذه التحوّلات قدّم الأوزاعي نموذجاً للاجتهاد المرتبط بالواقع دون تفريط بالنص أو انفصال عن الأصول.
لقد تميّزت الأوزاعية بقدرتها على المواءمة بين الثابت والمتغيّر وباستقلاليتها الفكرية عن مراكز النفوذ السياسي، كما أسست لعلاقة متوازنة بين المجتمع والسلطة وبين الخصوصية المحلية والانفتاح على العالم الإسلامي الأوسع. ولم يكن انتشارها في بلاد الشام ووصولها إلى الأندلس مجرد توسّع جغرافي بل دليلاً على حيوية النموذج الفكري الذي كانت تمثله.
وإذا تأمّلنا في أصولها المعرفية نجد أنها قامت على منظومة متدرجة تبدأ بالقرآن الكريم كمرتكز باعتباره الإطار الكلي للمعنى، ثم السنة النبوية بوصفها التجسيد العملي للقيم، ثم الإجماع باعتباره تعبيراً عن الوعي الجماعي للأمة، ثم خبرة الصحابة بوصفها أقرب التجارب إلى زمن الوحي وصولاً إلى القياس الذي يفتح المجال أمام العقل للتفاعل مع الوقائع المستجدة. وهذا التدرج لا يمثل مجرد ترتيب فقهي بل يعكس رؤية متوازنة للعلاقة بين النص والعقل، وبين الوحي والتجربة الإنسانية، وبين الثوابت الدينية والمتغيّرات الاجتماعية. وهي رؤية تبدو اليوم أكثر حاجة من أي وقت مضى في مجتمعات تعاني من الاستقطاب والانغلاق والتفكك.
وفي صميم هذه الرؤية يبرز مفهوم الاستخلاف القرآني الذي يجعل الإنسان مسؤولاً عن العمران والإبداع وصناعة المستقبل. فالإنسان في التصور الإسلامي ليس كائناً تابعاً أو منفذاً سلبياً بل شريك في بناء المعنى وتحقيق المقاصد. ومن هنا تتلاقى «الأوزاعية» مع «فلسفة الحرية الإنسانية» حيث لا قيمة لمعرفة تُنتج إنساناً مستلب الإرادة أو خاضعاً للهيمنة الفكرية أو السياسية.
ولعلّ السؤال الأهم اليوم ليس كيف نشأت الأوزاعية بل لماذا تراجعت؟ والإجابة لا ترتبط بضعفها الفكري بقدر ما ترتبط بتحوّلات تاريخية معقدة شملت مركزية السلطة، والحاجة إلى توحيد الأنظمة الإدارية والقضائية، وصعود مدارس فقهية أكثر تنظيماً وتقنيناً وتمويلاً من السلطة. ومع مرور الزمن تراجعت مساحات الاجتهاد الحر، وتقدم منطق التقليد المؤسسي على حساب روح الإبداع الفكري التي ميّزت المراحل الأولى من الحضارة الإسلامية.
أما لماذا يحتاج لبنان والمنطقة إلى استلهام هذا النموذج اليوم؟ فلأن الأزمة الراهنة تتجاوز حدود السياسة اليومية. فلبنان بوصفه نموذجاً مصغّراً للتعددية المشرقية يواجه أزمة هوية وطنية جامعة، وضعفاً مؤسساتياً مزمناً واستقطاباً طائفياً يستنزف طاقات المجتمع ويمنع بناء مشروع وطني جامع. وفي مثل هذا الواقع لا يكفي تغيير الحكومات أو تعديل القوانين. المطلوب هو إعادة بناء العقل الاجتماعي نفسه وتفكيك البنى الذهنية المغلقة التي تعيد إنتاج الانقسامات، وإعادة تعريف الإنسان بوصفه مواطناً قبل أي انتماء آخر، وإعادة تعريف الدولة بوصفها مساحة مشتركة للعدالة والمصلحة العامة. وهنا تكتسب الأوزاعية قيمتها المعاصرة ليس باعتبارها مذهباً فقهياً يراد إحياؤه بصورته التاريخية بل باعتبارها نموذجاً فكرياً يمكن أن يلهم مشروعاً جديداً يقوم على التوازن بين الهوية والانفتاح، وبين الأصالة والتجديد، وبين الانتماء الوطني والبعد الإنساني الأوسع.
إن استعادة روح الأوزاعية لا تعني العودة إلى الماضي بل تعني استعادة قيمة الاجتهاد نفسها. تعني تحويل التراث إلى مصدر للإنتاج لا إلى أداة للتكرار وفتح المجال أمام حوار خلاق مع الفكر الإنساني المعاصر، على خطى مفكرين كبار أمثال عبد الوهاب المسيري وعلي عزت بيغوفيتش ممن سعوا إلى الجمع بين الأصالة والتحديث وبين المرجعية الحضارية والانفتاح على العالم.
في المحصلة يمكن قراءة الأوزاعيّة اليوم بوصفها مشروعاً لتحرير العقل قبل أن تكون تجربة فقهية تاريخية، ومشروعاً لإعادة بناء الإنسان قبل أن تكون مدرسة فكرية. فهي دعوة إلى وضع العقل في قلب النص والإنسان في قلب العمران والحرية في قلب الاستخلاف.
إن خلاص لبنان والمنطقة لن يبدأ من السياسة وحدها مهما كانت أهميتها بل من إعادة بناء الإنسان القادر على التفكير الحر والمسؤول، ومن الانتقال من عقلية التلقّي إلى عقلية الإبداع ومن استهلاك الأفكار إلى إنتاجها، ومن أسر البنى المغلقة إلى المشاركة الفاعلة في صناعة المستقبل. فالأمم التي تُجدد أفكارها تستطيع أن تُجدد واقعها أما الأمم التي تكتفي بتكرار الماضي فإنها تبقى أسيرة أزماته مهما تبدّلت الأزمنة والوجوه.