بيروت - لبنان

اخر الأخبار

16 نيسان 2026 12:00ص أنقذوهم من الماضي والمستقبل

حجم الخط
رمزي ديشوم 

حين يدخل التاريخ إلى حقل السياسة، يخرج عن كونه مجرد سجّلٍ للأحداث، ويتحول إلى مادة لإنتاج الهوية: يحدّد مفهومنا ل «نحن» و لـ«الآخر»، ويحدد دورنا في «الحاضر»، ويرسم مسارنا في «المستقبل»، وتتحول القراءة التاريخية إلى عقيدة سياسية تُبنى عليها الشرعية، وترتفع عليها أسوار الصراع، ومتاريس النزاع.
في الشرق الأوسط، تبدو هذه الظاهرة أكثر وضوحاً من أي مكان آخر. فثمة سرديات كبرى لا تزال تحكم الوعي السياسي وتوجّه السلوك الجماعي، لا بوصفها تفسيرات للتاريخ فحسب، بل بوصفها مشاريع سياسية مستمرة. في مقدمة هذه السرديات فلسفة المظلومية في الوعي الشيعي الاثني عشري، وسردية العودة والخلاص في المشروع الصهيوني. وعلى الرغم من الاختلاف الجذري بين السياقين والعقيدتين والتاريخين، فإن بينهما بنية ذهنية متشابهة: ماضٍ يُقدَّم بوصفه جرحاً تاريخياً مطلقاً، ومستقبل يُرسم بوصفه وعداً بالخلاص والانتصار، وحاضر يُختزل إلى ساحة صراعٍ مفتوحٍ بين الضحية وخصومها.
هذه القراءة «السياسية الدينية» للتاريخ أنتجت مجتمعات تُبنى هويتها السياسية على جرحٍ لا يندمل، وعلى انتظارٍ لا ينتهي، تعيش في حالة استنفارٍ دائمٍ، وعلاقاتٍ غير طبيعيةٍ مع الآخر، واضطرابٍ في الانخراط الرسمي في الدولة الوطنية.

المظلومية في الوعي الشيعي: من الذاكرة إلى السياسة

يشكل مفهوم المظلومية أحد الأعمدة المركزية في الفكر الشيعي الاثني عشري. فهو ليس مجرد شعورٍ تاريخيٍّ بالحزن على ما وقع لآل البيت، بل هو بنيةٌ فكريةٌ وثقافيةٌ كاملةٌ، تشكلت عبر قرونٍ، وأصبحت جزءاً من التربية الدينية والوعي الجماعيّ والرمزيّة السياسية.
وتبدأ هذه المظلومية، في الوعيّ الشيعيّ، من الاعتقاد بأن حق الإمام عليّ في الخلافة قد انتُزع بعد وفاة النبيّ صلى الله عليه وسلم، ثم تتكثف بصورة أكثر تأثيراً في مأساة كربلاء، حيث يُنظر إلى مقتل الحسين بوصفه الحدث المؤسس للظلم التاريخيّ الذي تعرض له آل البيت وأتباعهم، لتصبح تلك الذاكرة إطاراً دائماً لتفسير العالم، ومنطلقاً لتأويل كل صراعٍ سياسيٍّ معاصرٍ باعتباره امتداداً لصراعٍ قديمٍ بين الحق والباطل، وبين الضحية والجلاد.
عند هذه النقطة، لا يعود الماضي ماضياً، بل يصبح حاضراً دائماً. وتتحول كربلاء من حادثةٍ تاريخيةٍ إلى نموذجٍ سياسيٍّ يُستدعى في كل أزمة، وتصبح اللغة السياسية محمّلة بثنائية الثأر والانتقام والوفاء للدم والوقوف في «معسكر الحسين» ضد «معسكر يزيد».
يزداد هذا البناء الرمزي تعقيداً مع عقيدة الإمام الغائب، التي تشكل إحدى الركائز الأساسية في الفكر الشيعيّ الاثني عشريّ، عقيدةً تؤمن بوجود إمام غائب سيعود في آخر الزمان ليملأ الأرض عدلاً بعد أن مُلئت جوراً، ما يمنح الوعي الشيعي بعداً مستقبلياً يتجاوز الواقع الراهن، ويتخذ الحاضر مجرد مرحلةٍ انتقاليةٍ في مشروعٍ أكبر، تتراجع فيه حسابات الدولة والمؤسسات والقانون، وتتقدم فيه لغة الرسالة التاريخية والمهمة المقدسة. 
إن أخطر ما في المزج بين مظلومية الماضي وخلاص المستقبل، أنه ينتج وعياً سياسياً يعيش خارج الزمن الطبيعيّ. فهو لا يرى الحاضر بوصفه مساحةً لبناء الدولة أو تحسين حياة الناس، بل يراه مجرد جسرٍ بين جرحٍ قديمٍ ووعدٍ آتٍ. وفي مثل هذا الوعيّ، تصبح السياسة امتداداً للعقيدة، ويصبح الصراع أهم من الاستقرار، والانتصار الرمزيُّ أهمَّ من التنمية والحرية والعدالة الواقعية.

الصهيونية: الذاكرة بوصفها شرعية سياسية

في المقابل، قامت الحركة الصهيونية الحديثة على سرديةٍ تاريخيةٍ مختلفةٍ في مضمونها، لكنها متشابهة في بنيتها. فقد انطلقت من فكرة أن اليهود شعب اقتُلع من أرضه التاريخية، وتعرض عبر القرون للاضطهاد والنفيّ، وأن عودته إلى «أرض الميعاد» ليست مجرد حقٍّ سياسيٍّ، بل استعادة لعدالةٍ تاريخيةٍ مؤجلةٍ.
ومنذ نشأتها في القرن التاسع عشر، لم تكن الصهيونية مجرد حركةٍ قوميةٍ حديثةٍ، بل مشروعاً أعاد توظيف الرموز الدينية والتاريخية في خدمة هدف سياسيٍّ هو تأسيس دولةٍ قوميةٍ لليهود في فلسطين، ولعبت مفاهيم مثل «الشعب المختار» و«الأرض الموعودة» و«العودة إلى الوطن التاريخي» دوراً محورياً في بناء الهوية الصهيونية، وفي إضفاء شرعيةٍ أخلاقيةٍ وتاريخيةٍ على المشروع السياسي. لتصبح هذه السردسة – بعد قيام دولة «إسرائيل»- جزءاً من التعليم والإعلام والمؤسسات والثقافة العامة، ولتنتقل من مجرد روايةٍ من بين الروايات التاريخية ، لتصير الرواية الرسمية التي يُعاد من خلالها تعريف التاريخ والجغرافيا والسياسة.
وتزداد هذه الرواية رمزيّةً بل ووحشيّةً بارتباطها بفكرة «الملك المنتظر» أو «المسيح المنتظر» الذي سيظهر في آخر الزمان ليعيد مجد بني إسرائيل بعد أن ينهي جميع أعدائه، وهم جميع الأخر»الغوييم». 
المفارقة الخطيرة في الخطاب السياسي الذي ينطلق من موقع الضحية، أنّه ينتهي إلى إنتاج سياسات تقوم على الثأر والانتقام (حزب الله في سوريا نموذجاً)، وينشيء جماعاتٍ وربما مجتمعاتٍ ترى العالم كله يتآمر عليها، ما يجعلها عاجزة تماماً عن بناء الثقة، وغير قادرة على إنتاج تسويات مستقرة، إذ تعتبر كل تنازل خيانة، وكل تسوية هزيمة، وكل اعتراف بالآخر تهديداً اللهوية ذاتها.
ولتنتقل هذه «الجماعات» أو « المجموعات» من عامل توتر داخليٍّ، إلى عامل توتر إقليميٍّ، وربما دوليٍّ، بحسب امتلاكها لأسباب «القوة والنفوذ»، وبمقدار امتدادها المحليٍّ أو الإقليميٍّ أو الدوليٍّ، وتبلغ الخطورة مداها الأقصى إذا تغلبت هذه «العقائد السياسية على السلطة، وظفرت بالحكم والدولة، وتبلغ الخطورة مدى لا يمكن حتى تخيله إذا امتلكت هذه «الجماعات أو الدول» أسلحة دمار شامل، حينها تضع نفسها والعالم في ساحات الفناء «المقدس» الذي يرى في الموت والدمار انباعثاً أو انتقاماً لمظلومية أو من مظلومية.

كاتب ومؤلف لبناني