فاروق غانم خداج*
في لحظة لبنانية مأزومة، حيث تختلط المعايير وتضيع البوصلة بين الولاءات والانفعالات، يتقدم اسم نواف سلام إلى واجهة الجدل، لا بصفته رجل سلطة فحسب، بل كرمز لمسار مختلف: مسار الدولة حين تتمسك بالقانون، لا حين تنحني أمامه.
الهجوم على نواف سلام اليوم ليس حدثا معزولا، بل هو انعكاسٌ عميقٌ لخلل بنيوي في الحياة العامة اللبنانية، حيث يقاس الرجال لا بما أنجزوا، بل بما يراد لهم أن يمثلوا في صراعات الداخل. وهنا، يصبح من الضروري إعادة الأمور إلى نصابها، لا دفاعا عن شخص، بل عن فكرة: فكرة الدولة التي يحميها القانون، لا المزاج.
حين كان نواف سلام رئيسا لمحكمة العدل الدولية، لم يكن يمثل نفسه ولا لبنان فحسب، بل كان يجسد صورة القاضي العربي القادر على مخاطبة العالم بلغة القانون الدولي. ففي قضية جنوب أفريقيا ضد إسرائيل (اتهامات الإبادة الجماعية في رفح)، كان سلام هو الرئيس الذي ترأس المحكمة خلال مراحل حاسمة، وساهم في ترسيخ مناخ قضائي دولي جعل لاحقا صدور قرارات مؤقتة تاريخية - كأمر المحكمة بوقف الهجوم العسكري على رفح - ممكنا ومشروعا. لم يكن ذلك موقفا سياسيا، بل تتويجا لميزان عدالة صاغه قضاةٌ مستقلون، بعيدا عن الانفعالات.
وإذا كان البعض يحاول اختزال هذه التجربة في قراءة سياسية ضيقة، فإن الحقيقة الأوسع هي أن ما جرى في لاهاي لم يكن مجرد ملف عابر، بل لحظة كاشفة لقدرة القانون الدولي على استعادة جزء من هيبته، في عالم بات يميل أكثر فأكثر إلى منطق القوة. وهنا، يتجلى دور القاضي لا كصانع قرار سياسي، بل كحارس لمبدأ إنساني أعلى.
وفي المشهد ذاته، شهد العالم تطورا نوعيا حين أصدرت المحكمة الجنائية الدولية مذكرات توقيف بحق بنيامين نتنياهو ووزير دفاعه، على خلفية اتهامات بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في غزة. هذه الوقائع، التي تشكل تحولا في مسار العدالة الدولية، لا يمكن فصلها عن المناخ القانوني الذي ساهمت فيه شخصياتٌ قضائيةٌ بارزةٌ، من بينها نواف سلام، في ترسيخ فكرة أن لا أحد فوق القانون.
ومن قلب الواقع اللبناني اليومي، حيث يرزح المواطن تحت وطأة أزمة اقتصادية خانقة، وتترنح المؤسسات تحت ثقل الانهيار، يصبح هذا النموذج أكثر إلحاحا. فالدولة التي تتآكل في الداخل، لا تبنى بالشعارات، بل برجال يؤمنون بأن القانون هو الملاذ الأخير، لا أداةٌ ظرفيةٌ في صراع المصالح. وفي بلد تتكرر فيه الأزمات من دون محاسبة، يتحول حضور شخصية قانونية بهذا المستوى إلى تذكير حي بما كان يمكن أن يكون عليه لبنان، لو أنه اختار طريق المؤسسات لا التسويات.
من هنا، يصبح الهجوم على الرجل في الداخل اللبناني مفارقة لافتة. فبدل أن يحتفى بقاض لبناني وصل إلى أعلى منصب قضائي دولي، وساهم في لحظات تاريخية أعادت الاعتبار للقانون الدولي، يصار إلى محاكمته سياسيا، وكأن المشكلة ليست في انهيار الدولة، بل في من يحاول أن يذكرها بواجباتها. بل الأكثر إيلاما: إنجازه الدولي يستخدم ضده كتهمة، فيتهم بأنه «أداةٌ خارجيةٌ» لمجرد أنه جسد سيادة القانون بلا انحياز.
ولعل الأخطر من ذلك، أن هذا النمط من الاتهام لا يطال شخصا بعينه، بل يصيب فكرة الكفاءة ذاتها في الصميم. فحين يصبح التفوق الدولي مدعاة للشك، لا للفخر، وحين يقابل الإنجاز بالتخوين بدل التقدير، فإن الرسالة التي تبعث إلى الأجيال الصاعدة هي رسالةٌ قاتمةٌ: لا تتفوقوا كثيرا، كي لا تتهموا.
إن وطنية نواف سلام لا تقاس بالشعارات، بل بالمسار. هو لم يأت من عالم الصفقات، بل من عالم القانون. لم يعرف عنه خطابٌ تحريضيٌ، بل خطابٌ مؤسساتيٌ هادئٌ. ولم يسجل عليه انخراطٌ في محاور، بل سعيٌ إلى تثبيت لبنان في موقع الدولة، لا الساحة. وهذه في ذاتها قيمةٌ نادرةٌ في زمن الاستقطاب الحاد.
في زمن يكافأ فيه الصخب، يبدو الهدوء تهمة. وفي بلد تقاس فيه الوطنية بالاصطفاف، يصبح الحياد جريمة. لكن الحقيقة الأعمق هي أن لبنان لا يحتاج إلى مزيد من الانقسام، بل إلى نماذج تعيد تعريف معنى الخدمة العامة، خارج منطق الغلبة. نماذج تقنع اللبناني بأن الدولة ليست وهما، بل إمكانيةٌ قابلةٌ للتحقق إذا ما توفرت الإرادة.
الهجوم على نواف سلام اليوم، مهما تعددت أسبابه، يطرح سؤالا أبعد: هل يريد اللبنانيون دولة قانون فعلا، أم أنهم يخشونها حين تقترب؟ لأن مشكلة لبنان ليست في غياب القوانين، بل في ازدواجية المعايير: نطالب بالقاضي حين ينصفنا، ونكفره حين ينصف غيرنا. نريد دولة القانون، ولكن بشرط أن يكون قانونا حسب الطلب. والقاضي الذي طبق القانون في لاهاي، لن يتحول في بيروت إلى رجل تسويات. وهذه هي المعضلة الحقيقية.
قد يختلف اللبنانيون في السياسة، وهذا حقهم. لكن تحويل النجاح الدولي إلى مادة للاتهام الداخلي، هو وجهٌ آخر من وجوه الانهيار. فالأمم التي لا تحمي رموزها، تفقد تدريجيا قدرتها على إنتاج رموز جديدة، وتغرق في إعادة إنتاج أزماتها ذاتها.
نواف سلام ليس فوق النقد، لكنه أيضا ليس مشروع خصومة. هو اختبارٌ لما تبقى من قدرة هذا البلد على التمييز بين من يبني الدولة، ومن يعتاش على ضعفها.
وفي لحظة الحقيقة، لا يكون السؤال: مع من نقف؟ بل: أي لبنان نريد؟
* كاتب لبناني وباحث في الأدب والفكر الإنساني