بيروت - لبنان

اخر الأخبار

16 نيسان 2026 12:00ص قــد يكــون الخيار المٌتــاح: وقف العمــل بموجب أحكام الدستور وقيام نظــام إنتقالي

حجم الخط
ممّا لا شكَ فيه أنّ النظام السياسي اللبناني بدا عاجزاً عن مواكبة التطورات السياسية والعسكرية التي أفرزتها الحرب الدائرة بين منظمة حزب الله ودولة إسرائيل والولايات المتحدة الأميركية، والدليل إنعــدام قدرة هذا النظام الفاقد للشرعية على التأثير في مجرى الأحداث ولعدم إمكانيته لإستنباط قرارات حكومية أو سياسة عامة توقف الحرب على الإقليم الذي يُديره. فعلياً هذا النظام يُعاني من إغتراب سياسي وإحباط فكري ولا مبالاة تجاه العمل الوطني السليم.
نظام سياسي فاشل لم يتمكّن من إرساء دولة ديمقراطية وتنمية مستدامة وتطور اقتصادي وإجتماعي مطرد ونظام متلازم مع سنوات عجــاف يصطدم باللاسيادة واللاقانون والفقر والمحاصصة والتخلّف والميليشيا المتحكِّمة بكل مفاصل الدولة المدنية والعسكرية وتغلغل الفكر الأصولي الرجعي إضافةً إلى ترّهات دستورية تبريرية، نقول «ترّهات دستورية تبريرية» لأنّ هذا النظام يُسوِّقها لإخفاء عوراته وعجزه كسلطة أوصل البلاد إلى حافة الهاوية، والمشكلة بالنسبة إلينا كمركز أبحاث PEAC هي في الطبقة السياسية الفاشلة العميلة التي مجّها الشعب وخاصة الأحزاب القائمة التي مارست السلطة وأوصلت البلاد لما هي عليه الآن.
أمام هذا التراكم الخطير من العجـز وعدم تحمًّل المسؤولية كما يُناط بها الدستور، بات من المفترض وقف هذا الإنحدار بكل الوسائل السياسية التي يرتكن إليها العلم السياسي وتقديم مقاربة سياسية لتحقيق جودة حكم وكفاءة التسيير المنتظم لأحكام القانون بإعتبار أن عملية إصلاح النظام السياسي وتأهيله لمواكبة التحوّلات المحلية والإقليمية والدولية تمثِّل مهمة ذات أولوية في هذه المرحلة الدقيقة من تاريخ الجمهورية اللبنانية.
المتعارف عليه في العلم السياسي أنّ الدستور أعلى قانون في البلاد وهو حكماً يُنظِّم شكل الدولة ونظام الحكم فيها ويحدِّد السلطات واختصاصاتها وعلاقتها ببعضها البعض وبالإضافة إلى ذلك فإنه يحدِّد حقوق وحريات الأفـراد وعلاقة الأفراد ببعضهم البعض وعلاقتهم مع السلطات. وبما أنّ الدستور هو أعلى قانون في الدولة فلا بُـدّ أن تشرع كل القوانين وتصدر كل الأنظمة والتعليمات وفقاً للدستور، وإذا ما خالفته فإنها تُصاب بعيب عدم الدستورية وتُلغى. وعلى إعتبار أنّ الدستور أعلى قانـون في البلاد فعلى الحكام والمحكومين تنفيذ نصوصه دون إهمال أو نقص أو تغافــل لأنهم بهذه الحالة يُخلُّون بإلتزاماتهم التي حدّدها الدستور.
بما أنّ الأوضاع العامة القائمة في البلاد وعلى مختلف مندرجاتها تُشير وفقاً للوقائع القائمة والمُثبتة ميدانياً أنّ هناك تعطيلاً رسمياً للدستور، وبما أنّ الظاهر من الأداء السياسي أنّ هناك تعطيلاً كلياً للدستور وهذا أمر لا يُفترض السكوت عنه، وبما أنّ هناك تغاضياً لأحكام الدستور تطبيقاً وممارسةً وتعمّداً لإهمال مندرجاته دون أن يُسند ذلك إلى نص في الدستور يُجيز عدم تطبيق هذه القاعدة أو تلك، وهذه الأمور تُسمّى بالتعطيل غير الرسمي للدستور، ومن خلال إستقراء الواقع السياسي والدستوري للجمهورية اللبنانية زاخـر بالتعطيلات الفعلية للدستور.
بالإستناد للوقائع الميدانية وإستناداً للعجـز المتراكم من قبل ساسة لبنان علمانيين وروحيين من المنطقي النظر في قرينة تعطيل أو وقف العمل بموجب الدستور ويعتبر ذلك الفعل إجراءً إستثنائياً يعني وقف تطبيق أحكام الدستور ويهدُف هذا الفعل لإدارة ظروف إستثنائية. ووقف العمل بموجب أحكام الدستور وتعليق مواده لمدة معينة تُحدّد وفقاً لدراسة سياسية، أمنية، اقتصادية، إجتماعية. وبالإستناد للوقائع الحالية اللبنانية إنّ وقف العمل بموجب أحكام الدستور هو إجراء مشروع مرحلياً لأنه يستند إلى ظروف إستثنائية تهدِّد أمور ومصالح في غاية في الأهمية والخطــورة تجعل وقف العمل بأحكام الدستور لأجل مواجهتها أجراءً لازماً لا مفر منه ولا محيص عنه.
في الحالة السياسية اللبنانية من الملاحظ أنّ السلطة القائمة تعجز عن تطبيق أحكام الدستور وهذا يعني أنّ هناك مخالفة للتشريعات للقواعد الدستورية مما يجعل الدستور منتهكاً (مخالفة المواد التالية: 2 - 6 – 15 – 16 – 20 – 44 – 49 - 60 – 64 – 65 – 73)، ويتم التصدّي لذلك العجز في التطبيق عبر إتخاذ قرار جريء من الشعب بوقف العمل به وبذلك يتم الإلتزام بتطبيق نظام إنتقالي كأعلى سلطة إنتقالية قائمة تمثل حالة إستثنائية لإدارة الجمهورية عقب أزمات سياسية - أمنية - اقتصادية - مالية - إجتماعية تهدف إلى ترتيب الوضع العام وإعادة الهيكلة للأجهزة الرسمية للدولة تمهيداً لتطبيق قانون الدفاع الوطني ولإجراء إنتخابات ديمقراطية... ويتم تطبيق المرحلة الإنتقالية عبر تشكيل حكومة تصريف أعمال لضمان إستمرارية مؤسسات الدولة. والأمثلة كثيرة عن الحكومات الإنتقالية نذكر منها الحكومة المؤقتة للجمهورية الفرنسية 1870، حكومة كوريا 1945، حكومة سورية 1963. عسانا نوفّق في مسعانا لوقف العمل بموجب أحكام الدستور وقيام نظام إنتقالي لأنهما الخيار المتاح لإنقاذ الجمهورية اللبنانية وإلّا نحن ذاهبون إلى زوال والمستقبل قاتم.

* أمين سر المركز الدولي للأبحاث السياسية والاقتصادية (PEAC)