اقتحامات الأقصى في تصعيد غير مسبوق.. والمطلوب تحرّك دولي فعّال
يشهد المسجد الأقصى المبارك تصعيداً غير مسبوق في وتيرة الاقتحامات والإجراءات الإسرائيلية، وسط تحذيرات من انتقال الاحتلال إلى مرحلة أكثر خطورة في مساعي فرض واقع جديد داخل المسجد، بالتزامن مع تصاعد دعوات جماعات «الهيكل» المتطرفة لتكثيف اقتحاماته خلال ما يسمّى «ذكرى خراب الهيكل».
وبحسب المركز الفلسطيني للإعلام قال الباحث في الشأن المقدسي زياد ابحيص أن السؤال حول كيفية حماية المسجد الأقصى بات أكثر إلحاحاً في ظل تصاعد الاقتحامات، مؤكداً أن الإجابة لا تكمن في الخطاب النظري، وإنما في استعادة الفعل القادر على وقف مشاريع التهويد، مستنداً إلى التجارب التاريخية التي واجهت الاعتداءات على المسجد على مدار نحو قرن.
وأشار ابحيص في تصريحاته للمركز الفلسطيني للإعلام إلى أن الاحتلال يسعى اليوم إلى تحقيق هدف يتجاوز السيطرة الأمنية، ويتمثل في إزالة المسجد الأقصى وإقامة الهيكل المزعوم مكانه، معتبراً أن العدوان على المسجد يمثل جزءاً أصيلاً من المشروع الصهيوني منذ بداياته.
واستعرض ابحيص أبرز المحطات التي شكّلت مسار الدفاع عن المسجد الأقصى، بدءاً من ثورة البراق عام 1929، التي رسّخت، وفق وصفه، معادلة أن الاعتداء على الأقصى يترتب عليه ثمن باهظ، مروراً بالانتفاضة الفلسطينية الأولى، ثم مجزرة الأقصى عام 1990، وهبة النفق عام 1996، وانتفاضة الأقصى عام 2000.
وأضاف أن الحراك الشعبي في القدس عام 2013 أعاد الزخم إلى حماية المسجد عبر الرباط والاعتكاف، قبل أن تتوالى محطات المواجهة في هبة السكاكين عام 2015، وهبة باب الأسباط عام 2017، وهبة باب الرحمة عام 2019، وصولاً إلى هبات القدس ومعركة سيف القدس عام 2021، ثم معركة الاعتكاف عام 2023، وأخيراً معركة طوفان الأقصى التي اعتبر أن حماية المسجد شكّلت أحد أبرز دوافعها.
وأكد أن هذه المحطات، رغم اختلاف أدواتها وظروفها، أسست لما وصفه بمعادلة الردع التي حالت دون نجاح مشاريع التهويد الكاملة، مشدّداً على أن كل مرحلة أفرزت أساليب جديدة للمواجهة دون تكرار التجارب السابقة.
اقتحامات غير مسبوقة
وتزامن ذلك مع تنفيذ آلاف المستوطنين الخميس الفائت اقتحامات واسعة للمسجد الأقصى المبارك تحت حماية مشدّدة من قوات الاحتلال، في واحدة من أكبر موجات الاقتحام منذ احتلال القدس عام 1967.
وأعلنت جماعات «الهيكل» المتطرفة قبل المناسبة استهداف إدخال خمسة آلاف مستوطن إلى المسجد، في أعلى رقم معلن منذ احتلاله، متجاوزة أعداد المقتحمين المسجلة خلال السنوات الماضية.
وأفادت محافظة القدس بأن أكثر من 2300 مستوطن اقتحموا المسجد حتى ساعات ظهيرة يوم الخميس مع استمرار تدفق مجموعات جديدة، بعدما سمحت شرطة الاحتلال بزيادة عدد أفراد المجموعة الواحدة إلى نحو 150 مستوطناً.
وأوضحت أن الاقتحامات تزامنت مع إحياء ما يسمّى «ذكرى خراب الهيكل»، التي تحوّلت خلال السنوات الأخيرة إلى أكبر موسم سنوي لاقتحام المسجد الأقصى وأداء الطقوس التلمودية داخله.
تغيير في واقع الأقصى
وأكد الباحث المختص في شؤون القدس عبد الله معروف أن المسجد الأقصى شهد خلال الاقتحامات الأخيرة عدداً من السوابق غير المسبوقة منذ احتلال القدس.
وأوضح أن أبرزها تمثل في أداء مجموعات من المستوطنين ما يعرف بـ«السجود الملحمي» داخل باحات المسجد، إلى جانب السماح بنصب مظلة في الساحة الشرقية قرب مصلى باب الرحمة، معتبراً أن هذه الإجراءات تمثل خطوات عملية نحو فرض تقسيم مكاني داخل المسجد، بعد سنوات من محاولات تكريس التقسيم الزماني.
وأضاف أن الساحة الشرقية باتت تُعامل، وفق هذه الإجراءات، باعتبارها مساحة مخصصة للمستوطنين، بما يمهّد لفرض سيطرة دائمة عليها.
وفرضت قوات الاحتلال، بالتوازي مع الاقتحامات، إجراءات مشدّدة على دخول الفلسطينيين إلى المسجد، إذ منعت لأول مرة دخول من تقل أعمارهم عن 75 عاماً، كما منعت معظم موظفي وحراس دائرة الأوقاف الإسلامية من أداء مهامهم داخل المسجد.
وأشارت محافظة القدس إلى أن عدداً محدوداً جداً من المصلين تمكّن من أداء صلاة الفجر، قبل أن تعتدي قوات الاحتلال على عدد منهم، فيما واصلت فرض قيود مشدّدة على أبواب المسجد ومحيط البلدة القديمة.
ويرى معروف أن هذه الإجراءات تندرج ضمن مسار متسارع لفرض وقائع جديدة داخل المسجد الأقصى، مستفيدة من الظروف السياسية والإقليمية، في ظل سعي أحزاب اليمين الإسرائيلي إلى استثمار ملف الأقصى ضمن تنافسها السياسي.
كما اعتبر ابحيص أن العدوان المتواصل ومحاولات فرض الوقائع الجديدة، رغم خطورتها، لا تعني نهاية مسار الدفاع عن المسجد الأقصى، بل تستوجب استعادة الإرادة واستكمال التجربة التاريخية التي واجهت مشاريع التهويد.
وأشار إلى أن مسيرة الدفاع عن الأقصى شهدت أشكالاً متعددة من الفعل، شملت الرباط والاعتصامات والحراك الشعبي، إضافة إلى أشكال أخرى من المقاومة والتحرك الإعلامي والشعبي داخل فلسطين وخارجها، مؤكداً أن تنوّع أدوات المواجهة شكّل على مدار العقود عاملاً رئيسياً في إعاقة مشاريع الاحتلال.
وختم بالتأكيد أن التجربة التاريخية الممتدة في الدفاع عن المسجد الأقصى تمثل رصيداً يمكن البناء عليه، وأن استعادة الإرادة تظل، بحسب وصفه، المدخل الأساس لأي تحرك قادر على مواجهة مخططات التهويد المتصاعدة.






