لماذا نحتاج إلى فقه إسلامي جديد للخدمة الاجتماعية؟
من أكثر الظواهر إثارة للتأمّل في مجتمعاتنا العربية والإسلامية أننا نعيش مفارقة عجيبة، فمن جهة يزخر تراثنا الديني بعشرات النصوص التي تجعل خدمة المجتمع وحماية المرافق العامة وإصلاح الفضاء المشترك ورعاية الضعفاء وإزالة الأذى ومساعدة الناس من صميم الإيمان والعبادة. ومن جهة أخرى نعاني اليوم من مستويات مرتفعة من اللامبالاة الاجتماعية والشلل البلدي والتواكل وضعف المبادرة وغياب المشاركة، حتى أصبح كثير من المواطنين يتعاملون مع الشارع والحديقة والساحة العامة وكأنها ليست جزءاً من مسؤوليته. هذه المفارقة تدفعنا إلى سؤال اجتهادي كبير: هل اختزلنا الدين في دائرة العبادات الفردية وأهملنا أحد أهم أبعاده الحضارية أي بناء المجتمع؟
لقد اعتاد الفقه الإسلامي عبر القرون أن يصنف أبواباً واسعة تحت عناوين العبادات والمعاملات، بينما يمكن القول إن النصوص النبوية المتعلقة بالنظافة العامة وإماطة الأذى وحماية الطريق وصيانة موارد المياه، وإغاثة الملهوف وحماية المستجير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تمثل في مجموعها ما يمكن أن نسميه اليوم فقه الخدمة الاجتماعية الحضارية، إن هذه ليست مجرد فضائل فردية بل منظومة متكاملة لإنتاج مجتمع حي ومتفاعل ومسؤول.
فالرسول صلى االله عليه وسلم لم يقل إن إماطة الأذى عن الطريق عمل مستحب فحسب بل جعلها من شعب الإيمان، وربط بين إزالة حجر أو شوكة أو عظم أو قذر وبين نيل الأجر. وفي المقابل شدّد على تحريم تلويث الطرق أو موارد المياه أو أماكن استراحة الناس وجعل الاعتداء على الفضاء العام اعتداءً على حق المجتمع كله. ولو قرأنا هذه النصوص بعين عالم الإدارة العامة أو عالم الاجتماع المعاصر لوجدنا أنها تؤسس لما يسمّى اليوم «إدارة الفضاء العام» و«الصحة البيئية» و«الوقاية المجتمعية» و«المواطنة الفاعلة» و«رأس المال الاجتماعي» و«الشرطة المجتمعية» و«الابتكار الاجتماعي».
إن المدينة المنورة لم تكن مجرد عاصمة لدولة ناشئة بل كانت أول مختبر حضاري لتكوين مواطن يشعر أن الطريق مسؤوليته وأن السوق مسؤوليته وأن نظافة الحي مسؤوليته وأن أمن جاره مسؤوليته وأن حماية الضعيف مسؤوليته. لقد تحوّلت الأخلاق إلى مؤسسات وتحوّلت القيم إلى سلوك يومي. وهنا تلتقي السُنّة النبوية مع أهم النظريات الحديثة في علم الاجتماع، فـروبرت بوتنام يبيّن أن قوة الدول لا تقاس فقط بالناتج المحلي فحسب بل بمستوى «رأس المال الاجتماعي» أي الثقة والتعاون والمشاركة المدنية. وبيتر بيرغر وتوماس لوكمان يوضحان أن الواقع الاجتماعي لا يُولد جاهزاً بل يُبنى عبر السلوك والمؤسسات، أما تالكوت بارسونز فيؤكد أن استقرار المجتمع يحتاج إلى مؤسسات تؤدي وظائفها بصورة متكاملة. واللافت أن السُنًة النبوية سبقت إلى بناء هذا المنطق ولكن بلغة أخلاقية وإيمانية تجعل كل فرد شريكاً في إنتاج الخير العام.
من هنا فإن الأزمة التي تعيشها كثير من بلدياتنا ليست منحصرة بأزمة ميزانيات بل أزمة ثقافة اجتماعية. لقد تحول المواطن إلى مستهلك للخدمات بينما تراجعت فكرة أنه شريك في إنتاجها. وأصبح كثيرون ينتظرون البلدية لتنظيف الشارع بينما لا يشعرون بأي مسؤولية تجاه رمي النفايات أو إزالة الأذى أو المحافظة على الممتلكات العامة. وهذا ما يفسر لماذا تنجح بعض المدن ذات الموارد المحدودة بينما تفشل مدن أخرى مثل بيروت رغم ضخامة إنفاقها، لأن المجتمع الأول يمتلك رأس مال اجتماعياً مرتفعاً أما الثاني فيعاني من فقر في المشاركة والثقة. ومن هنا ربما آن الأوان للانتقال من مفهوم «الخدمة الاجتماعية» بوصفها نشاطاً خيرياً إلى مفهوم «الخدمة الاجتماعية الحضارية» بوصفها سياسة وطنية لصناعة المواطن.
وهذا يقتضي إعادة بناء التعليم بحيث لا تقتصر المدرسة على نقل المعرفة بل تغرس ثقافة الخدمة العامة. وأن تصبح ساعات الخدمة المجتمعية جزءاً من الحياة المدرسية والجامعية، وأن تُمنح البلديات صلاحيات لإنشاء برامج تطوعية دائمة للشباب وتنظيم مسابقات للأحياء الأكثر نظافة والأكثر تشجيراً والأكثر مشاركة، وأن تُنشأ قواعد بيانات وطنية لتوثيق ساعات التطوع والمبادرات المجتمعية مع أنظمة تقدير معنوية ومادية تشجع روح المبادرة. كما ينبغي أن تتطور البلديات من مؤسسات لإدارة النفايات والطرقات إلى مراكز لبناء المجتمع المحلي، تعمل بالتكامل مع المدارس والجامعات والجمعيات والشرطة المجتمعية ومراكز الشباب ومؤسسات الرعاية الصحية، بحيث يصبح لكل حي مشروعه الاجتماعي ولكل بلدية مؤشراتها في المشاركة والثقة والعمل التطوعي وبالا تنحصر في عدد الأرصفة المزفتة. ومن جهة أخرى فإن مفهوم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يحتاج إلى قراءة حضارية جديدة تخرجه من دائرة الجدل الضيق إلى مفهوم «المسؤولية الاجتماعية» أي أن يشعر كل مواطن أن من واجبه حماية المصلحة العامة والمحافظة على البيئة وتنبيه الآخرين إلى السلوك الضار وفق القانون والحكمة واحترام الكرامة الإنسانية.
ولعلّ أجمل ما في السُنَة النبوية أنها لم تجعل الإصلاح حكراً على السلطة بل جعلت إزالة حجر من الطريق أو غرس شجرة أو حماية مستجير أو تنظيف مكان عام أو منع خطر عن الناس أعمالاً تدخل في صميم الإيمان. وهذا يعني أن بناء الحضارة يبدأ من التفاصيل الصغيرة وأن المجتمع العظيم لا يُصنع بالخطابات الكبرى وحدها بل بتراكم ملايين السلوكيات الإيجابية اليومية.
وهنا يبرز مفهوم جهاد النفس بوصفه أعظم مراتب الجهاد، لأنه المدرسة التي تصنع الإنسان القادر على الانضباط وضبط الأهواء واحترام النظام وتقديم المصلحة العامة على الأنانية. ومن دون هذا الجهاد الداخلي لن تنجح أي قوانين أو مؤسسات في بناء مجتمع متماسك.
إن ما نحتاج إليه اليوم ليس مجرد إصلاح بلدي ولا مجرد حملات نظافة موسمية بل مشروع وطني لإحياء ثقافة المبادرة. مشروع يجعل الطفل يفخر إذا زرع شجرة والشاب يعتز إذا شارك في تنظيف حيّه والموظف يشعر أن المحافظة على المال العام عبادة ورجل الأعمال يرى في دعم المبادرات المجتمعية استثماراً في استقرار وطنه.
إنها دعوة إلى إعادة اكتشاف السُنَة النبوية بوصفها مشروعاً لبناء الإنسان والعمران معاً، وإلى فتح نقاش علمي واسع بين علماء الشريعة وعلماء الاجتماع وخبراء الإدارة العامة والمتخصصين في السياسات العامة، لإعادة صياغة مفهوم الخدمة الاجتماعية الحضارية باعتباره أحد أعمدة الدولة الدستورية الحديثة.
وربما يكون السؤال الذي يستحق أن يطرح اليوم في جامعاتنا وحلقاتنا العلمية ومجامعنا الفقهية ليس ما حكم إماطة الأذى عن الطريق؟ فهذا معلوم، وإنما السؤال الأعمق هو كيف نحول إماطة الأذى عن الطريق إلى سياسة عامة وإلى ثقافة مجتمعية وإلى منظومة مؤسسات وإلى مؤشر من مؤشرات المواطنة وإلى ركيزة من ركائز النهضة الحضارية؟ عندها سنكون قد انتقلنا من فقه يكتفي بوصف الفضيلة إلى فقه يسهم في صناعة المجتمع، ومن قراءة للنصوص تقتصر على الثواب الفردي إلى قراءة تستكشف قدرتها على بناء أمة متماسكة ومجتمع مبادر ودولة قوية وحضارة قادرة على التجدّد.






