20 حزيران 2026 12:14ص المقاصد وبيروت.. ثنائية الوعي والهوية (14)

رئاسة ديانا طبارة: عبور المئوية والنصف بهندسة المستقبل وثورة التحديث المؤسساتي

حجم الخط
زياد سامي عيتاني

حدث تاريخي غير مسبوق
 في مسيرة القرن والنصف
في محطة تاريخية استثنائية وغير مسبوقة منذ تأسيس جمعية المقاصد الخيرية الإسلامية في بيروت عام 1878م، شهدت الجمعية في نيسان 2026 تحوّلاً بارزاً في قيادتها الإدارية والاجتماعية؛ حيث جرى انتخاب المهندسة ديانا علي طبارة بالتزكية رئيساً لمجلس الأمناء، لتكون الرئيس السادس عشر للجمعية، وأول امرأة تتولى سدّة الرئاسة في تاريخ هذا الحصن العريق الممتد لـ 148 عاماً. لم يكن وصول السيدة طبارة مجرد تغيير في الأسماء، بل جاء تجسيداً حيّاً لثقافة المقاصد المتنورة التي آمنت مبكراً بتمكين المرأة، واعترافاً وطنياً وعاصمياً بكفاءتها الأكاديمية والقيادية وخبرتها الطويلة في العمل الاجتماعي والتربوي ومسيرتها كمستشارة هندسية وعضو مجلس أمناء في الجمعية.

• سلسلة الوفاء: من إرث «توفيق» وصرح «سناء» إلى هندسة المستقبل
يتأكد الفجر الصادق للمقاصد اليوم من خلال تلازم تاريخي وجداني في مسيرة عائلة طبارة؛ حيث التقت روح العطاء في بناء الحجر مع حكمة القيادة في بناء البشر عبر ثلاثة أجيال:
- منارة «مركز توفيق طبارة»: ذلك المعلم البيروتي الشامخ والمركز الثقافي والاجتماعي الذي قدمته العائلة ليكون منطلقاً للعمل الخيري، وجسراً للتواصل يخدم الجمعية وأبناء المدينة، والذي أراد له أبناء وبنات الجد الراحل التاجر البيروتي الحاج توفيق طبارة أن يكون حجر الزاوية في العلاقة العضوية مع المقاصد.
- إنجاز «صرح سناء طبارة»: بالتوازي مع الإرث الثقافي للجد، يأتي الإنجاز الإنشائي الأحدث المتمثل بمبنى الإدارة الجديد لـ «مستشفى المقاصد»، الذي شيّده بلمسة إتقان الحاج علي طبارة، تخليداً لذكرى وشرف شريكة عمره المرحومة الحاجة سناء طبارة بمواصفات عصرية وعالمية.
- تكامل الحجر والبشر: إن رئاسة ديانا طبارة اليوم هي الثمرة المباركة لتلك الشجرة التي سقاها الجد «توفيق» برؤيته، وحفظها الأب «علي» ببذله، وسكنت روحها الأم «سناء» بفضلها ودعائها؛ حيث تتحوّل العاطفة الوجدانية تجاه الأهل الراحلين إلى «مسؤولية مؤسساتية» تقود السياسات التربوية والطبية، وتجعل من الرئيسة عيناً ساهرة على استمرار ألق الصروح التي تحمل أسماء أحبائها، موازنةً بين الأصالة والعصرنة.
• رؤية استشرافية: ما الذي يجب أن تقوم به المقاصد في قرنها الجديد؟
إن العبور بالمقاصد نحو آفاق حداثة العمل المؤسساتي القادر على اللحاق بالثورة التكنولوجية وحركة الزمن المتسارعة، يتطلب من إدارة السيدة ديانا طبارة صياغة إستراتيجية إنقاذية وتطويرية مستدامة ترتكز على المحاور التالية:
- أولاً: الحوكمة الرشيدة والمأسسة الإدارية: عبر تبنّي نموذج تنظيمي حديث يفصل فصلاً كاملاً بين رسم السياسات التوجيهية العليا والإدارة التنفيذية، وتأسيس مكتب مركزي للتخطيط الاستراتيجي ومتابعة الأداء الرقمي، مع اعتماد مؤشرات تقييم سنوية شفافة تعيد بناء الثقة وتتوّج بتقرير سنوي معلن يعكس حقيقة الإنجاز والتطور التشغيلي للجمعية.
- ثانياً: الاستدامة المالية والاستثمار المنتج: الانتقال الجذري بالأصول الوقفية والتاريخ المالي للجمعية من الإدارة الرعائية التقليدية القائمة على المساعدات العابرة، إلى فضاء «الاستثمار الإيجابي والمنتج». يتحقق ذلك من خلال إنشاء صندوق وقفي استثماري كفء، وتطوير العقارات والممتلكات غير المستثمرة بمشاريع ذات عوائد ثابتة تمنح المقاصد اكتفاءً مالياً ذاتياً يحصن استقلالية قرارها التاريخي.
- ثالثاً: النهضة التربوية والتعليم المعرفي الذكي:
إعادة إشعال الشعلة التربوية لمدارس المقاصد وجامعتها لتتبوأ صدارة الصروح التعليمية في المنطقة خلال العقد القادم، عبر تحديث شامل للمناهج، دمج تقنيات الذكاء الاصطناعي، تعزيز مهارات اللغات الحية، وبناء الفكر الريادي لدى الطلاب. كما تشمل هذه الرؤية التزاماً أخلاقياً ووطنياً بإعادة إحياء وفتح الصروح التعليمية والمرافق المقاصدية التي أغلقت سابقاً تحت ضغط الأزمات المالية، لإعادة ربط الجمعية بامتدادها الجغرافي والاجتماعي.
- رابعاً: العصرنة الطبية والاعتماد الدولي لمستشفى المقاصد: تطوير المستشفى العريق ليتحول بالكامل إلى مركز طبي جامعي تخصصي يعتمد الرقمنة الشاملة في السجلات والخدمات الشفائية، مع نيل شهادات الاعتماد الدولية والنوعية، وتنشيط حركة البحث العلمي الطبي، فضلاً عن بناء شبكة توأمة وثيقة وانفتاح مدروس على المنظمات والصناديق الدولية والعربية المانحة والمؤسسات الصحية الإقليمية الكبرى لتبادل الخبرات والابتكارات.
- خامساً: استعادة الدور الفكري والتنويري الوطني:
لم تكن المقاصد عبر التاريخ مجرد جمعية خدماتية، بل كانت منبراً فكرياً وحصناً للاعتدال؛ لذا تقتضي الرؤية تأسيس مركز المقاصد للدراسات الاستراتيجية والسياسات العامة، وإطلاق مرصد اجتماعي لرصد وتحليل احتياجات العاصمة البيروتية، وتدشين مشروع رقمنة الأرشيف التاريخي الشامل، مع إنشاء متحف دائم يعرض حكاية القرن والنصف من العطاء العاصمي.
- سادساً: التشاركية الفاعلة مع الخريجين ورأس المال البشري: باعتبارهم الثروة السيادية والامتداد الحي للمؤسسة، تهدف الرؤية إلى صياغة آلية تعاون تكاملية وتشاركية مع «جمعية خريجي المقاصد» عبر رابطة عالمية تجمع طاقاتهم في لبنان والمهجر، مدعومة بمنصة رقمية تفاعلية تضمن إشراكهم في التخطيط والعمل، بالتوازي مع إطلاق صندوق تكافلي عالمي لدعم الطلاب المتميزين وتأمين فرصهم المعرفية.
****
المقاصد.. مئة وخمسون عاماً والراية العاصمية
 لا تنكسر
بوصولنا إلى العهد الحالي للسيدة ديانا طبارة، نكون قد طوينا صفحة مشرقة وفتحنا أخرى في مسيرة «جمعية المقاصد الخيرية الإسلامية في بيروت»، الممتدة عبر ما يقارب القرن ونصف القرن من الزمان. هذه الجمعية التي ولدت من رحم المعاناة عام 1878م لحماية هوية العاصمة ولغتها العربية، أثبتت عبر تتابع الأجيال والعهود، أنها أقوى من كل العواصف والحروب والانهيارات.
إن المقاصد ليست مجرد مؤسسة عريقة، بل هي أحد أعمدة الهوية البيروتية الرصينة والنهضة اللبنانية، وتجديدها لا يعني أبداً تغيير رسالتها القيمية بل تمكينها من أداء هذه الرسالة وتأصيلها بأدوات العصر الفائقة؛ فبين مركز «توفيق»، وصرح «سناء»، وخارطة طريق «ديانا» الاستشرافية، تُكتب اليوم قصة وفاء بيروتية متجدّدة، ممسكة بجمر التحدّي وزخم الحداثة الاستراتيجية لتبوأ مقعدها الطبيعي كنموذج عربي رائد في التعليم والصحة والعمل الوقفي المستدام.
لقد كانت المقاصد، منذ تأسيسها، مشروعاً لبناء الإنسان قبل بناء المؤسسات. واليوم، فإن تجديدها عبر استراتيجية هو استكمال بنيوي لهذه الرسالة، من خلال الاستثمار المكثف في الإنسان، والمعرفة، والابتكار، لتبقى منارةً لبيروت ولبنان، وشريكاً ريادياً في صناعة مستقبل أكثر ازدهاراً واستقراراً؛ رايةً عاصمية شامخة كتب لها ألا تنكسر، وسائرة نحو الغد بخطى واثقة لا تعرف الكلل.. لأن المقاصد بخير، ولأن لها رباً يحميها، ويُسخر لها في كل عصر من يحمل أمانتها بكل سخاء وإخلاص.
- انتهى.

تسلّمت السيدة ديانا طبارة دفّة القيادة في مرحلة دقيقة من تاريخ لبنان والعاصمة، مستندة إلى إرث صلب تركه السلف الصالح من رجالات المقاصد، وحملت معها رؤية تجمع بين «الأصالة البيروتية وعصرنة الإدارة بروح شبابية متجدّدة». ركّزت إستراتيجيتها على استكمال مسيرة «المقاصد الذكية والمنتجة»، مع إعطاء أولوية قصوى لتوسيع شبكة الأمان الاجتماعي، وتحديث المناهج التعليمية، وتطوير البنية التحتية الطبية، لتثبت المقاصد في عهدها الحاضر أنها مؤسسة حيّة، مرنة، وقادرة على قيادة مجتمعها نحو آفاق المستقبل بكل ثقة واعتدال.