الودائع والإصلاح المصرفي إلى الواجهة مجدّداً... بين أجواء التفاؤل وعقدة توزيع الخسائر
نوال أبو حيدر
عاد ملف الودائع والإصلاح المصرفي إلى صدارة المشهد الاقتصادي والمالي في لبنان، بعدما دخل مجددا دائرة النقاش الجدي بين الحكومة والجهات المالية والمصرفية، وسط حديث متزايد عن أجواء إيجابية واستعداد مختلف الأطراف لتقديم تنازلات متبادلة وتدوير الزوايا الخلافية التي لطالما أعاقت إقرار القوانين الإصلاحية المطلوبة. ويأتي هذا التطور في وقت يرزح فيه مئات آلاف المودعين تحت وطأة أزمة مستمرة منذ سنوات، فيما لا تزال حقوقهم وأموالهم معلقة بين خطط متباينة ومقاربات مختلفة لتوزيع الخسائر وإعادة هيكلة القطاع المصرفي.
وتكتسب هذه النقاشات أهمية استثنائية كونها ترتبط مباشرة بمسار التعافي المالي والاقتصادي، وبالعلاقة مع المؤسسات الدولية وفي مقدمتها صندوق النقد الدولي، فضلا عن كونها تشكّل اختبارا حقيقيا لقدرة الدولة على الانتقال من مرحلة إدارة الأزمة إلى مرحلة معالجتها. وبين التفاؤل بإمكانية إقرار القانون خلال الفترة المقبلة، وبين المخاوف من عودة الخلافات التقليدية حول المسؤوليات وتوزيع الخسائر، يطرح كثيرون علامات استفهام حول مدى جدية هذا المسار وفرص نجاحه في تحقيق العدالة للمودعين واستعادة الثقة بالقطاع المصرفي.
وفي ضوء هذه المعطيات، كيف تقرأون عودة الحديث بقوة عن قانون الودائع والإصلاح المصرفي وسط أجواء إيجابية عن قرب التفاهم بين الأطراف المعنية؟ وهل نحن أمام فرصة حقيقية لإقرار القانون واستعادة حقوق المودعين، أم أن الخلافات الجوهرية حول توزيع الخسائر لا تزال قائمة وقد تؤخر الحل مجدّدا؟
الفرصة في المضمون لا النوايا!
يقول الخبير المالي والاقتصادي الدكتور وليد أبو سليمان، لصحيفة «اللواء» إنه «يمكن قراءة هذا الحراك المتجدّد كخطوة إيجابية تعكس استشعارا بضرورة الخروج من حالة الركود المالي، لكن العبرة تكمن دائما في المضامين التقنية لا في النوايا السياسية».
ويتابع: «الحديث عن قرب التفاهم يشير إلى وجود أرضية مشتركة جديدة، ربما فرضتها ضغوط المؤسسات الدولية (كصندوق النقد الدولي) أو الحاجة لإعادة تنشيط الدورة الاقتصادية. ومع ذلك، فإن الحكم على كونها «فرصة حقيقية» مشروط بمدى إستناد القانون العتيد إلى معايير محاسبية واقتصادية علمية تؤسس لإعادة هيكلة قطاع مصرفي قابل للاستمرار، وليس مجرد تسوية سياسية مؤقتة تفتقر إلى الاستدامة الماليّة».
الخسائر والودائع... بيت القصيد!
وفي سياق متصل، يعتبر أبو سليمان أن «الواقع المحاسبي يشير إلى أن العقدة الأساسية ما زالت تكمن في آلية توزيع الفجوة المالية (الخسائر) بين الأطراف الثلاثة: الدولة، ومصرف لبنان، والمصارف التجارية».
أما فيما يخص الخلافات الجوهرية، يرى أنها «لا تزال قائمة حول نقطتين محورتين، أولا، تحديد المسؤوليات، أي نسبة الخسائر التي يجب أن تتحملها الدولة (عبر أصولها أو صندوق سيادي مقترح) مقابل النسبة التي يجب أن تتحملها الرساميل المصرفية ومصرف لبنان. ثانيا، تصنيف الودائع، أي التمييز بين ما يعرف بالودائع المؤهلة وغير المؤهلة، وآفاق استردادها (بين الرد النقدي، التحويل إلى أسهم. Bail-in، أو الجدولة طويلة الأجل).
شيطان التفاصيل المالي
ويختم أبو سليمان: «إذا لم تترافق الأجواء الإيجابية الحالية مع سلة إصلاحات هيكلية شاملة تشمل قانونا مرنا للـ Capital\ Control وتوحيدا حقيقيا لأسعار الصرف فإن خطر المماطلة وتأخير الحل سيبقى قائما، كون «شيطان التفاصيل» المالي يتفوق دائماً على العناوين العريضة».
مقاربة واحدة للأزمة
وتتوافق مقاربة أبو سليمان مع تقديرات العديد من المؤسسات الاقتصادية الدولية التي تؤكد أن «أي خطة تعاف مالي في لبنان لن تكون قابلة للحياة ما لم تقترن بإصلاحات مصرفية ومالية متكاملة تعالج جذور الأزمة لا نتائجها فقط. فاستعادة الثقة بالقطاع المصرفي تتطلب وضوحا كاملا في حجم الخسائر وكيفية توزيعها، إلى جانب توفير إطار قانوني يضمن حقوق المودعين ويعيد إطلاق عجلة الائتمان والاستثمار».
الثقة... أساس النهوض الاقتصادي
كما ويرى يرى خبراء اقتصاديون أن «نجاح مسار الإصلاح لا يقاس فقط بإقرار القوانين، بل بقدرتها على إعادة بناء الثقة بين الدولة والمصارف والمودعين، باعتبار أن هذه الثقة تشكّل الركيزة الأساسية لأي نهوض اقتصادي مستدام. كما أن التوصل إلى رؤية موحّدة بشأن إعادة هيكلة القطاع المصرفي قد يشكل نقطة تحول مفصلية في مسار المفاوضات مع الجهات الدولية، ويفتح الباب أمام تدفقات مالية واستثمارية يحتاجها لبنان بشدّة في المرحلة المقبلة».






