ندى العشب
في الصباحات الندية، يستيقظ العصفور، على طلب قطرة ماء واحدة، يبلّ بها منقاره الطري. يحط على عشبة طازجة، خبأت في عبّها الندى، تمنحه ما تمنحه، بلا منّة، وبلا شروط. يأخذ العصفور حاجته منها، ثم يرفرف بجناحيه، ثم يطير إلى الجهات الوارفة.
ليس في الأكوان جميعا على الأرض، أكرم من الندى، توزع الريقات على الترابين قبل نهوض الشمس، تملأ أجفانها، وتنتظر عطاش العصافير، تطير إليها، كلما أخذت قطرة منها، زقزقت لها بمنقارها.
موطن العشب الرياض كلها، الملاعب والحوافي والضفاف والحروف، وصدور العصافير. كلما إنتعشت بها، رفرفت بجناحيها شكرانا لها.
درب طويلة معشوشبة، تيجانها الندى، والعصافير، قبيل الشروق سكارى بها، كل قطرة منها سكرة، ولهذا هي تهتز طوال النهار، تراقص الشمس والأنسام، بعدما أخذت مونتها من الندى.
من عادة العشب، أن يبسط خديه، قبل الفجر للندى، إن يملأ جفانه منه، ثم يستيقظ العصافير، ويدعوها إلى وليمة العشب، هكذا كانت العصافير تسميها، تؤمّها الحساسين والفراشات والأنسام، وتصير الدرب الطويلة، أقصر من عشبة خضراء بين عيني طفل صغير، يحبو إليها.
لا نعرف من دنيا الطفولة، إلّا الدروب والمروج المعشوشبة، تملأ الفراشات والحساسين فضاواتها، تغني من الصباح إلى المساء، كما يحلو لها، تصدح على هواها.
عرائس القرى، لا يعرفن إلّا دروب النبع، إلّا الدروب إلى المروج، وينبسط العشب على راحتيه، يصفق للقادمين إليه، يسلو معهم سويعاته. ثم يعودون عنه مع غروب الشمس ومع غياب القمر، فتغفو الدروب والمروج على عشبها، ولا تستيقظ إلّا مع حبات الندى، تعيد لها تيجانها.
الندى على العشب، أعظم لوحة لأطفالنا، يتهجون الماسات المتفتحة، بأناميلهم الصغيرة، تقرأ الأنمولة معنى ندى الصباح، ومعنى الفراشات والعصافير عليها، ومعنى أشعة الشمس في شروقها، وهي تذهبها تويجا تويجا، وتهبها بكرمها للعصافير، حتى تزقو وحتى تنتعش وحتى تطير فرحا بها، تهبها للفراشات، تأخذ منها ألوانها، وترسم فوق عيونهم، سماوات صغيرة ملونة.
الندى على العشب، وليمة الأطفال في حبوهم، وليمة العصافير في الغداة، ووليمة الفراشات، آن تستيقظ الشمس.
فلا تدعوا الدخان يفسد عادات الندى على عشب الدروب و المروج، حافظوا على أكباد الطفولة، لأنها أكبادكم التي تعيشون بها غدا.
أستاذ في الجامعة اللبنانية






