سيما شاين
• يمكن البدء بتقييم النتائج الأولية للحرب من زوايا متعددة؛ بدءاً من حجم الضربات القاسية التي تلقتها إيران، مروراً بالأضرار التي ألحقتها بإسرائيل ودول الخليج والولايات المتحدة، وصولاً إلى الخسائر الاقتصادية التي تكبدتها إيران والنظام الاقتصادي الدولي. هذه التقييمات مهمة بطبيعة الحال، وتؤثر في الحكم على قرار الولايات المتحدة وإسرائيل خوضَ الحرب. إلاّ إن هذا المقال يتجاهل كل تلك الجوانب، ويركز على الاتفاق الذي يوشك أن يُوقَّع، وعلى انعكاساته في الأمن القومي الإسرائيلي.
• في هذه اللحظة، وحتى قبل نشر نص رسمي معتمَد من الطرفين، بات واضحاً أن واشنطن قبلت المطلب الإيراني الأساسي بإدارة العملية على مرحلتين.
• المرحلة الأولى، وهي الأكثر أهمية للاقتصاد العالمي، تتعلق بالملاحة في مضيق هرمز. وفي هذه المرحلة، تجني طهران ثمار الخطوة التي اتخذتها بإغلاق المضيق، الذي كان مفتوحاً قبل اندلاع الحرب. فهي تضمن لنفسها فوراً الإفراج عن جزء من أموالها المجمدة، كما تضمن إمكانية التفاوض بشأن آلية عبور السفن، مع التركيز على احتمال فرْض مقابل معيَّن لا يُعرَّف رسمياً على أنه رسوم عبور. وعملياً، يعني ذلك إنهاء الحرب على أرض الواقع، بما في ذلك في لبنان. • أمَّا القضية النووية، التي كانت السبب المعلن للحرب، وأهم قضية بالنسبة إلى الأمن القومي الإسرائيلي، فسيتم بحثها في المرحلة الثانية، وهي مرحلة ستكون فيها أوراق الضغط الأميركية أضعف. ووفق المؤشرات الحالية، فإن المفاوضات لن تتجاوز الحدود التي كانت إيران مستعدة لمناقشتها مع الولايات المتحدة قبل اندلاع الحرب.
• وبحسب مسودة التفاهمات، فستستمر المناقشات بشأن البرنامج النووي لمدة 60 يوماً، ويجب منذ الآن أخذ احتمال عدم التوصل إلى اتفاقات بعين الاعتبار، وقد تطول الفترة الزمنية أكثر، ومن المشكوك فيه أن يتمكن الطرفان من الوصول إلى اتفاق نهائي.
• وخلال الساعات الأربع والعشرين الماضية، نُشرت تقارير تفيد بأن إيران قامت بردم مداخل الأنفاق التي تحتوي على المواد المخصبة وإغلاقها، بل وزرعت ألغاماً في بعضها، وذلك في إطار جهودها لمنع أي عملية برية أميركية تهدف إلى إخراج هذه المواد. ومن شأن هذه الخطوة أن تعقّد، وربما تمنع، قدرة مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية على إخراج تلك المواد، حتى لو وافق الطرفان على تخفيض مستوى تخصيبها.
• وفي أي حال، فإن إلغاء البرنامج النووي الإيراني ليس مطروحاً على جدول الأعمال. فالمناقشات تقتصر على قضايا كتخفيض كمية المواد المخصبة، والتوقف الموقت عن التخصيب (وهو أمر لم يعد ممكناً عملياً بعد الضربات التي تعرضت لها المنشآت)، بالإضافة إلى تعهد إيراني جديد -كما حدث مراراً في السابق- بعدم تصنيع سلاح نووي. • وفي هذه المرحلة، لا يوجد أي تناول للعديد من القضايا الجوهرية، كمستقبل أجهزة الطرد المركزي الحالية، وإمكانية إنتاج أجهزة جديدة، وطبيعة الرقابة التي ستفرضها الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وغيرها من الملفات المهمة. ومناقشة هذه القضايا ستتيح لإيران إدارة مفاوضات طويلة الأمد، ليس من المؤكد أن تؤدي في النهاية إلى اتفاق. • وفي الخلفية، بدأت فعلاً عملية حوار بين دول الخليج وإيران؛ فبعد الهجمات والأضرار التي ألحقتها إيران بمنشآت النفط والغاز والمطارات والقواعد الأميركية في تلك الدول، ساد انطباع فحواه أن الولايات المتحدة لم تتمكن من حمايتها، ووجدت نفسها منخرطة في حرب كانت تعارضها أصلاً.
• ومن وجهة نظر هذه الدول، فإن المطلوب الآن هو تقليص الخسائر ووضع أسس للتعامل المستقبلي مع إيران. أمَّا إيران، فقد أثبتت مرة أُخرى مكانتها كقوة إقليمية كبرى، وأظهرت استعدادها وقدرتها على القتال وإلحاق الأذى في الوقت نفسه بإسرائيل ودول الخليج، على الرغم من تعرُضها لهجمات أميركية وإسرائيلية.
• كما يتحدث مسؤولون أمنيون إيرانيون عن الاتفاق الجاري بلورته باعتباره نوعاً من وقف إطلاق النار، وليس نهاية للصراع بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أُخرى. وبحسب تعبيرهم، فإن هذا الصراع لن يُحسم إلا بـ «انتصار أحد الطرفين»، ومن وجهة نظرهم، فسيكون هذا الطرف هو إيران.لم تنتهِ القصة بعد، فالحرب التي خاضتها الولايات المتحدة وإسرائيل بهدف إضعاف القدرات العسكرية الإيرانية إلى درجة تجبر طهران على القبول باتفاق بشروط أكثر ملاءمة لهما، وربما تساهم بصورة غير مباشرة في إحداث تغيير في النظام الإيراني، تنتهي في هذه المرحلة بمجرد مذكرة تفاهم (MOU) أو إعلان نيات، ومن المشكوك فيه أن يقود ذلك لاحقاً إلى اتفاق نووي جيد.
المصدر: قناة N12
اعداد: مؤسسة الدراسات الفلسطينية