إيهود عيران
يوئيل غوزنسكي
إسرائيل وإيران دخلتا ديناميةَ جولاتٍ متكررةً؛ فكل ضربة تنشئ حاجة إلى رد، وكل رد يستدعي رداً مضاداً، من دون قدرة على الحسم. وهناك أيضاً أطراف أُخرى مشارِكة في هذه الجولات، وهي تضيف مزيداً من التعقيد، لكنها تنشئ كذلك فرصاً لتحقيق الاستقرار. وتُظهر نظرية الألعاب، وكذلك خبرة إسرائيل السابقة في ساحات أُخرى، أن هناك عدة طرق للخروج من هذه الدينامية: إحداها نشوء قواعد غير مكتوبة بين الطرفين؛ إذ يمكن للخصمين أن يتعلما بالتدريج أي الأفعال تؤدي إلى التصعيد وأيها تؤدي إلى الاستقرار، ويتصرفا على هذا الأساس. ولا ينتهي الصراع، لكنه يصبح أكثر قابلية للسيطرة، وأحياناً يمكن التوصل إلى تفاهمات رسمية تحت إشراف دولي، كما فعلت إسرائيل وحزب الله في الفترة 1996-2000.
وقد تطورت تفاهمات من نوع آخر بين الطرفين خلال الفترة 2000-2023، تُظهِر أن للقواعد غير المكتوبة حدوداً من حيث الاستقرار؛ ففي سنة 2006، انهارت التفاهمات غير الرسمية وانزلقت إلى حرب، وفي سنة 2023، أطاحت موجات الارتداد الناتجة من حرب غزة بهذه التفاهمات بالكامل. كما أن أسلوب القتال الذي تطور منذ ذلك الحين يذكّر بأن الطرفين يواصلان الاستعداد لليوم الذي قد تنهار فيه هذه التفاهمات حتى خلال فترات الاستقرار النسبي. ومن الممكن أيضاً استمرار الوضع القائم: فلا إسرائيل تحسم المواجهة ضد إيران، ولا إيران تحسم المواجهة ضد إسرائيل، والطرفان لا يصلان إلى اتفاق، لكنهما لا ينحدران كذلك إلى حرب شاملة، بل يبقيان في صراع مستمر يتسم بموجات متكررة من التصعيد.
أمَّا الطريقة الثانية، فهي نشوء توازن قائم على الردع المتبادل، وفي هذه الحالة، يستنتج الطرفان أن تكلفة جولة جديدة أعلى من الفائدة التي يمكن تحقيقها منها. ولا يوجد هنا تصالح أو تسوية، إنما إدراك لفكرة أن استمرار التصعيد يضر بمصالح الجانبين، غير أن المشكلة تكمن في أن الوصول إلى هذا الإدراك يتطلب عادةً تكاليف باهظة على مدى طويل؛ فقد احتاجت إيران والعراق إلى أعوام من الاستنزاف المتبادل، شملت أيضاً قصفاً صاروخياً مطولاً للمراكز السكانية، قبل أن تصلا إلى وقف إطلاق النار سنة 1988. وكما يبدو، فإن إسرائيل ستجد صعوبة في قبول وضع يقوم على الردع المتبادل بعد أن أظهرت تفوقاً جوياً ساحقاً في الحرب.
وهناك سيناريو آخر يمكن تسميته بـ «سُلَّم النزول»؛ يرد فيه كل طرف بصورة محدودة تسمح له بالحفاظ على هيبته وصدقيته أمام جمهوره، من دون تجاوُز عتبة تجبر الطرف الآخر على الرد بمستوى أعلى من القوة، وهكذا تنشأ آلية تسمح بإنهاء الجولة من دون أن يُنظر إلى أي من الطرفين على أنه استسلم. ويُعَدُّ المشهد الختامي للجولة الحالية، أي العملية الإسرائيلية المحدودة داخل إيران، مثالاً على نهج كهذا.
وأخيراً، هناك طريق آخر يتمثل في التدخل الخارجي، ولا يُشترط أن يهدف هذا التدخل إلى اتفاق سلام أو تسوية شاملة بين إسرائيل وإيران، بل يكفي أن يوفر إطاراً أوسع من القيود والحوافز والضمانات يدفع الطرفين إلى تقليص نطاق الصراع. إذاً، ما هي مشكلات إسرائيل في هذه المواجهة؟
أولاً، إن الجولات التي لا تنتهي ليست في مصلحتها؛ فإلى جانب الضرر الأمني المباشر، فإنها تضر بالاقتصاد، وتعطل الحياة اليومية، وتؤدي إلى استنزاف متراكم للموارد. وفي أوضاع كهذه، من المتوقَع أيضاً أن تتزايد الهجرة منها. ثانياً، إن قدرة إسرائيل على تشكيل نتائج اللعبة بمفردها محدودة؛ فهي تستطيع إلحاق ضرر كبير بإيران، لكنها لا تستطيع فرض إرادتها عليها، وكذلك الأمر، لا تستطيع إيران فرض إرادتها على إسرائيل، فها هي محاولات تغيير الواقع في إيران جذرياً عبر إسقاط النظام لم تنجح، وجهود إيران لكسر عزيمة إسرائيل لم تحقق أهدافها.
ومن هنا، تنبع خلاصة أوسع: هذا الصراع ليس صراعاً ثنائياً عادياً، إنما يجري داخل منظومة إقليمية ودولية يملك فيها اللاعبون الخارجيون تأثيراً كبيراً. وتُعد الولايات المتحدة اللاعب الوحيد الذي يجمع بين القوة العسكرية، وأدوات الضغط الاقتصادية، والشرعية الدولية، والقدرة على تقديم «العصا والجزرة» إلى إيران في آن واحد.
إسرائيل تستطيع الردع والإضرار والتعطيل، كما أن إيران تستطيع الإيلام والاستنزاف والتحدي، لكن أياً منهما لا يستطيع بمفرده إنشاء نظام جديد، فالقوة العسكرية يمكنها التأثير في ميزان التكلفة والمنفعة، لكن إطاراً سياسياً أوسع هو وحده القادر على كسر دائرة الفعل وردّة الفعل.
وفي هذه الأوضاع، فإن الطريق الأكثر واقعية لوقف دينامية الجولات هو التدخل الخارجي، وعلى رأسه التفاهمات بين الولايات المتحدة وإيران. والمقصود هنا ليس مصالحة تاريخية أو تطبيعاً للعلاقات، إنما المقصود اتفاق محدود يحدد حدود العمل، ويقلل دوافع التصعيد. وفي عالم مثالي، سيكون جوهر الاتفاق هو تقييد البرنامج النووي العسكري الإيراني، لكن الأولوية الآن هي تهدئة الوضع القائم. وعليه، فإن السؤال الاستراتيجي المركزي ليس «كيف يمكن الانتصار في الجولة القادمة؟»، إنما «كيف يمكن تشكيل الأوضاع التي تمنع الجولة التي تليها؟» وذلك في واقع يجلس فيه في البيت الأبيض رئيس يُنظر إليه عموماً على أنه متعاطف، لكنه في الوقت نفسه متقلب المزاج، ويتجنب الاعتماد على جهاز مهني عميق ومتخصص.
المصدر: هآرتس
اعداد: مؤسسة الدراسات الفلسطينية