يوعانا غونين
• «كل حرب هي مفارقة ساخرة»، هذا ما كتبه المؤرخ باول فوسيل [1924- 2012]، «لأن كل حرب تكون أسوأ مما هو متوقع». كان فوسيل، الذي قاتل وأصيبَ في الحرب العالمية الثانية، يقصد المفارقة التراجيدية القائمة على الفجوة بين توقعات الضحية وبين الواقع، أو بين الحرب كما يتخيلها الناس قبل اندلاعها؛ سريعة، ونظيفة، وتقود إلى نصر تاريخي، وبين الحرب كما تنكشف لاحقاً؛ طويلة، ودامية، وفوق كل شيء شديدة الحماقة.
• نحن جميعاً ضحايا هذه المفارقة؛ فقبل ثلاثة أشهر، وُعِدْنَا بـ «نصر جديد» سيبقى لأجيال: ضربة ستقضي على التهديد الإيراني، وتُسقِط نظام الملالي، وتغيّر الشرق الأوسط. وقبل ذلك بثمانية أشهر فقط، وُعِدنا بالنصر التاريخي السابق، ومع ذلك، وجد كثير من معارضي الحكومة صعوبة في التغلب على الغريزة الإسرائيلية الراسخة؛ عندما تدوي المدافع، يصطف الجميع في صف واحد. وقد هلّل المعلقون في استوديوهات الأخبار، ومُلِئَتِ شبكات التواصل الاجتماعي بالإعجاب، ووقفت المعارضة في حالة تأهب. «لا يوجد ائتلاف ولا معارضة، هناك شعب واحد فقط»، هكذا لخّص يائير لبيد الأمر بطريقته الجوفاء في اليوم الأول للحرب.
• لكنَّ شيئاً ما حدث منذ ذلك الحين، ولم يكن شيئاً سامياً، ولا صحوة أخلاقية عظيمة، ولا لحظة جماعية من التبصر بعد أعوام من الحماقة المؤسسية، إنما كان شيئاً أكثر مرارة وإرهاقاً: السأم. فالجولة السابقة لم تُنتج النصر الموعود، بل أنتجت الجولة التالية، وعاد إلينا الإنجاز التاريخي على هيئة صاروخ بالستي. وهذه المرة، يرفض بعض أولئك الذين صفقوا للحرب آنذاك أن يشاركوا مجدداً في الاحتفال.
• تظهر الشقوق أساساً على الهامش طبعاً، فما زال كثيرون في المعارضة يجدون صعوبة في كبح حماستهم عند رؤية النيران، ويصرّون على تجاوز الحكومة من جهة اليمين (خطوة انتخابية بارعة). فعلى سبيل المثال، دعا نفتالي بينيت إسرائيل إلى «التحرك بقوة»، بينما طالب بني غانتس، من الهوة الواقعة تحت نسبة الحسم، بـ«رد قوي في إيران... ومواصلة الضربات في الضاحية». لكن دائرة المعارضين لاستمرار هذا الجنون تتسع باطراد.
• أمَّا يائير غولان، الذي سارع في شباط/فبراير إلى الترحيب بخروج إسرائيل إلى الهجوم، فقد أعلن أمس أن «الحكومة لا تملك تفويضاً لجر إسرائيل إلى حرب أُخرى». وحتى يائير لبيد، صاحب مقولة «لا توجد معارضة»، تذكَّر فجأة أن «المواطنين في دولة ديمقراطية لهم الحق في معرفة سبب مطالبتهم بتقديم التضحيات». ويمكن رؤية تعبير واضح عن هذا التحول أيضاً لدى موشيه رادمان، أحد قادة الاحتجاجات ضد الانقلاب القضائي؛ ففي شباط/فبراير، تفاخر بـ«الكابلانيين الموجودين الآن في سماء طهران أو في غرفة العمليات في مقر القيادة»، وسخر من نشطاء اليمين الذين لا يساهمون في «طلعات الهجوم». أمَّا أمس، ومع بداية «حرب الاثنتي عشرة ساعة»، فقد نشر بياناً أكثر واقعية دعا فيه المعارضة إلى مقاومة الرغبة في الظهور بصورة أكثر يمينية من بنيامين نتنياهو، وكتب: «من يخبركم أن كل ما نحتاج إليه الآن هو مزيد من القصف هنا أو هناك، فهو كاذب أو ديماغوجي».
• إن هذا التغيير لا ينبع من أن الجولة السابقة كانت أكثر تبريراً أو ضرورة من الجولة الحالية، فما تغيّر هو الإرهاق المتراكم الذي قاد إلى الفهم البسيط بأنه لا يمكن العيش على هذا النحو، فالمجتمع ينبغي ألاَّ يوجد بصفته مخزوناً لا ينضب من القلق، والاستدعاء للاحتياط، وصفارات الإنذار، والجنازات. لقد اندفع نتنياهو بعيداً جداً مستنداً إلى شهوة الحرب الإسرائيلية، وصار وسلوكه الانتهازي والفاسد فاضحاً إلى درجة تكشف الحقيقة البنيوية: ليست للحرب استراتيجيا، لأن الحرب نفسها هي الاستراتيجيا.
• ولم تولد بَعْدُ تلك الحرب العبثية التي سيعارضها المجتمع الإسرائيلي في الوقت الراهن، بدلاً من أن يصاب بخيبة أمل فقط بعد أن تتحطم الوعود الضخمة على صخرة الواقع، لكن ربما وسط «زئير الأسد» المستمر، والذي لا ينتهي، سيستوعَب الناس الدرس أخيراً، ويتعلم ضحايا المفارقة أن يشككوا في الرواية قبل أن تصل إلى نهايتها المأساوية المعروفة سلفاً.
المصدر: هآرتس
اعداد: مؤسسة الدراسات الفلسطينية