بيروت - لبنان

اخر الأخبار

22 حزيران 2026 12:25ص المتضرّر من الجريمة شريكٌ فاعلٌ في إثباتها وتحقيق العدالة بشأنها

حجم الخط
المحامي د. عادل مشموشي

إنّ الدعوى الجزائيّة لا تختزل في كونها مجموعةٌ من الإجراءات المتعاقبة التي تبدأ بشكوى وتنتهي بحكم، بل تمثّل مساراً قضائياً متكاملاً تتفاعل في إطاره مجموعةٌ من السّلطات والحقوق والضّمانات، وتتداخل فيه المصلحة العامّة التي تمثّلها النّيابة العامّة مع المصلحة الخاصّة التي يجسّدها المتضرّر من الجريمة. فغاية هذا المسار ليست مجرّد ملاحقة مرتكب الفعل الجرمي، بل الوصول إلى حقيقةٍ قضائيّةٍ راسخةٍ تبنى على تحقيقٍ شاملٍ وعادل، بما يكفل محاسبة جميع المساهمين في الجريمة وفق الأدوار التي اضطّلع بها كلٌّ منهم، وتأمين التّعويض العادل عن الأضرار التي ألحقتها الجريمة بالمتضرّرين منها.
وتتولى النّيابة العامّة، بوصفها ممثّلةً للمجتمع وحاميةً للنّظام العام، الدّور المحوري في تحريك الدّعوى العامّة ومتابعة سيرها والإشراف على أعمال الضّابطة العدليّة خلال مرحلة التّقصّي عن الجريمة. ولا يقتصر دورها على تلقّي الإخبارات والشّكاوى وتوجيه التّحقيقات الأوليّة، بل يمتدّ إلى ممارسة رقابتها على سلامة الإجراءات، وإبداء المطالعات القانونيّة، وطلب استكمال التّحقيقات كلّما تبيّن لها وجود نقصٍ في الأدلّة أو الحاجة إلى إجراء تحقيقاتٍ إضافيّةٍ من شأنها المساهمة في كشف الحقيقة. كما تمارس النّيابة العامّة حقّ الادّعاء أمام المرجع المختصّ، وتتابع الملفّ في مختلف مراحله، وتبدي ما تراه من طلباتٍ ترمي إلى ضمان حسن سير العدالة ومنع العبث بالأدلّة أو التّأثير على التّحقيق أو الإفلات من الملاحقة.
وبموازاة دور النّيابة العامّة، يبرز دور المتضرّر من الجريمة بوصفه صاحب المصلحة المباشرة في كشف ملابساتها وإثبات المسؤوليّات النّاجمة عنها. فالمتضرّر لا يعدّ مجرّد مصدرٍ أوّلي للمعلومات أو شاهداً على الواقعة، بل قد يشكّل في العديد من القضايا ركناً أساسيًّا في عمليّة الإثبات، ولا سيما في الجرائم الماليّة والاقتصاديّة وقضايا الفساد واستغلال الوظيفة العامّة والجرائم المنظّمة، حيث كثيراً ما تكون الوقائع والمستندات الجوهريّة في حوزته أو في متناول من يمثّله قانوناً.
ومن هنا منح القانون للمتضرر، متى تقدّم بشكوى إلى النّيابة العامّة، أو اتّخذ صفة المدّعي الشّخصي وفقاً للأصول القانونيّة، أو انضمّ إلى الدّعوى العامّة مطالباً بالتّعويض عمّا لحق به من ضرر، مجموعةً من الحقوق والوسائل الإجرائيّة التي تخوّله المشاركة الفاعلة في مسار الدّعوى الجزائيّة، فلا تنحصر صفته عندئذٍ بالمطالبة بجبر الضّرر، بل تتجاوز ذلك إلى المساهمة في ضمان حسن سير الملفّ الجزائي واستكمال عناصره منذ اللّحظة الأولى لتحريك الملاحقة. فمن حقّه تقديم المستندات والقرائن والأدلّة التي من شأنها إظهار الحقيقة، وطلب اتّخاذ الإجراءات التّحقيقيّة التي يراها منتجة، والاستماع إلى الشّهود، وإجراء الخبرات الفنّيّة أو المحاسبيّة أو التّقنيّة اللازمة، فضلاً عن إبداء مطالبه وملاحظاته القانونيّة أمام مختلف المراجع المختصّة ضمن الحدود التي يرسمها القانون. كما يشكّل حضوره ومتابعته المستمرّة عاملاً أساسيًّا في الحدّ من مخاطر ضياع الأدلّة أو إغفال بعض الوقائع أو استبعاد بعض المساهمين في الجريمة من دائرة الملاحقة، الأمر الذي يجعله رافداً فعليًّا لدور النّيابة العامّة في كشف الحقيقة وتحديد المسؤوليّات الجزائيّة والمدنيّة النّاشئة عن الجريمة، وتمكين المحكمة من تكوين قناعتها على أساس ملفٍّ متكامل الوقائع والأدلّة والعناصر القانونيّة.
ولا تقتصر أهمّيّة دور المدّعين بالحق الشّخصي على مرحلتي التحقيقين الأولي والابتدائي، بل تمتدّ إلى مرحلة المحاكمة حيث يملك كل منهم مباشرةً أو بواسطة وكيله القانوني، حقّ متابعة الدّعوى وتقديم المذكّرات والدّفوع والطّلبات الرامية إلى إظهار الحقيقة والرّدّ على كل ما يقدّمه المدّعى عليهم من تفنيد خلال ممارستهم لوسائل الدّفاع، سواء تعلّقت تلك الدّفوع بانتفاء الأركان القانونيّة للجريمة، أو بعدم توافر العلاقة السّببيّة، أو بوجود أسبابٍ تبريريّةٍ أو بانتفاء المسؤوليّة، أو بسائر الأسباب التي من شأنها التّأثير في توصيف الفعل أو في تقدير المسؤوليّة الجزائيّة أو المدنيّة المترتّبة على كلٍّ منهم.
وفي هذا السّياق، كثيراً ما تواجه الملاحقة الجزائيّة جملةً من العقبات القانونيّة والإجرائيّة التي قد يثيرها المشتبه فيهم خلال مرحلة التّقصي عن الجريمة أو المدّعى عليهم خلال مرحلتي التّحقيق والمحاكمة أو سائر المساهمين في الجريمة، سواء تمثّلت في دفوعٍ شكليّةٍ تتعلّق بالاختصاص أو الصّفة أو المصلحة أو القبول أو التّقادم أو صحّة الإجراءات أو مشروعيّة الحصول على الأدلّة وضبطها، أم في دفوعٍ موضوعيّةٍ ترمي إلى نفي تحقّق أيٍّ من أركان الجريمة أو إنكار المسؤوليّة أو الحدّ من آثارها القانونيّة. ويقتضي التّصدّي، لما يمكن الإدلاء به من دفوع، يقظةً قانونيّةً دائمةً من النّيابة العامّة كما المدّعي بالحقّ الشّخصي على السّواء، من خلال التّمسّك بصحّة الإجراءات، وإبراز الأدلّة والقرائن المؤيّدة للادّعاء، وبيان مدى انطباق النّصوص القانونيّة على الوقائع الثّابتة في الملف، ويعول في هذا الأمر على محاميه.
ولا تقتصر التّحدّيات التي قد تعترض سبيل الملاحقة على الدّفوع التّقليديّة، بل نجدها أحياناً كثيرةً في وجود حصاناتٍ أو تطلّب أذوناتٍ مسبقةٍ أو قيودٍ قانونيّةٍ خاصّةٍ تحول دون السّير مباشرةً بالإجراءات أو تؤخّرها، كما هو الحال في بعض الملاحقات المرتبطة بأشخاصٍّ يشغلون وظائف دبلوماسيّة أو نيابيّةٍ أو قضائيّةٍ أو وظيفيّةٍ عامّةٍ أو بمراكز أحاطها القانون بضماناتٍ إجرائيّةٍ خاصّة. وتزداد أهمّيّة متابعة هذه المسائل بدقّة، لأن تعطيل الملاحقة أو تأخيرها قد يؤدّي في بعض الأحيان إلى ضياع الأدلّة أو التّأثير على الشّهود أو تعقيد إمكانيّة الوصول إلى الحقيقة.
وفي هذا الإطار لا بدّ من الإشارة إلى تعاظم أهمّيّة الدّور الذي يؤدّيه محامي المدّعي الشّخصي، إذ لا يقتصر عمله على المطالبة بالتّعويض أو تمثيل موكّله في الجلسات، بل يمتدّ إلى المساهمة الفعليّة في بناء الملفّ الإثباتي منذ المراحل الأولى للملاحقة، من خلال جمع الأدلّة وتوثيق الوقائع، ومراقبة حسن سير التّحقيقات، ومتابعة المهل القانونيّة، والتّصدي للدّفوع الشّكليّة والموضوعيّة، والعمل على تحديد أدوار جميع المساهمين في الجريمة، سواء كانوا فاعلين أم شركاء أم متدخّلين أم محرّضين، والسّعي إلى إثبات العلاقة السّببيّة بين أفعالهم والضّرر اللّاحق بالمتضرّر، فضلاً عن توثيق عناصر الضّرر المادّي والمعنوي تمهيداً للمطالبة بالتّعويض المناسب عنها.
وهنا لا بدّ أيضاً من إبراز أهمّيّة المتابعة القانونيّة الدّقيقة عند صدور القرارات والأحكام القضائيّة، إذ إن النّظام الإجرائي لا يكتفي بإصدار الأحكام، بل يحيطها بمنظومةٍ من طرق المراجعة والطّعن التي تهدف إلى تصحيح الأخطاء القانونيّة وضمان سلامة تطبيق القانون. وفي هذا الإطار تمارس النّيابة العامّة ما يتيحه لها القانون من وسائل مراجعةٍ للأحكام والقرارات التي ترى أنّها لا تنسجم مع مقتضيات العدالة أو مع صحيح القانون، كما يمارس المدّعي الشّخصي الحقوق التي يجيزها له القانون بالنّسبة إلى ما يمسّ مصالحه وحقوقه المدنيّة، وذلك ضمن الحدود والضّوابط التي ترسمها القوانين المرعيّة الإجراء.
وتكتسب هذه الوسائل أهمّيّةً استثنائيّةً في القضايا الكبرى والمعقّدة، ولا سيّما تلك المرتبطة بالفساد المالي والجرائم الاقتصاديّة والجرائم المنظّمة والكوارث ذات الطّابع الوطني، حيث أظهرت التّجارب العمليّة أن المتابعة الجدّيّة من قبل المتضرّرين ومحاميهم، إلى جانب قيام النّيابة العامّة بدورها كاملاً، قد أسهمت في كشف وقائع لم تكن معروفةً سابقاً، وفي منع طمس أدلّةٍ أو تعطيل إجراءاتٍ أو حصر المسؤوليّة بأشخاصٍ دون آخرين.
وبذلك يتبيّن أن تحقيق العدالة الجزائيّة لا يقوم على دور جهةٍ واحدة، بل هو ثمرة تكاملٍ بين دور النّيابة العامّة بوصفها ممثّلةً للمصلحة العامّة، ودور المتضرّر والمدّعي الشّخصي بوصفهما أصحاب المصلحة المباشرة في كشف الحقيقة وجبر الضّرر. فكلّما أحسن هؤلاء استعمال الوسائل القانونيّة المتاحة لهم، وتعاملوا مع الدّعوى باعتبارها مساراً متكاملاً من الاستدلال والتّحقيق والإثبات والمراجعة والطّعن، ازدادت فرص الوصول إلى حقيقةٍ قضائيّةٍ سليمة، واتّسعت دائرة المساءلة لتشمل جميع المساهمين في الجريمة وفق أدوارهم الفعليّة، وتحقّقت في الوقت ذاته الحماية الواجبة لحقوق الدّفاع والضّمانات القانونيّة وقرينة البراءة. وعندئذٍ فقط يؤدّي الملفّ الجزائي وظيفته الحقيقيّة بوصفه أداةً لتحقيق العدالة، وصوناً لحقوق الأفراد، وحمايةً للمجتمع وسيادة القانون.