بصرف النظر عن مآل وقف النار المؤقت بين كيان الاحتلال الاسرائيلي ذي الصبغة السرطانية، لجهة التمدد والتوسع والانتشار، وبين حزب لله، بصفته مقاومة، تحسن أو تخطئ في إدارة دورها وصراعاتها في لبنان والمنطقة، في مرحلة بالغة المخاطر والتشابكات والمصالح المتضاربة، فإن السؤال المركزي، لا يتصل بهذه النقطة تحديداً، بل بما هو أبعد من ذلك، كيف تنتهي الحرب بين اسرائيل ولبنان وأي السُبل هي الأنجع، لضمان إنحسار العنف، وإسقاط مقولة الأمن للمستعمرات الشمالية الاسرائيلية، والتي ردّ عليها الحزب بلسان أمينه العام من أن الأمن يقابله الأمن للبنان وجنوبه.
ثمة من يصعّد ويعمل وفقاً لهذا الاعتقاد، بأن المفاوضات تؤول الى توفير السلام والأمن والاستقرار في الجنوب، وفي المستوطنات الشمالية في اسرائيل، والمفاوضات، سواء أكانت مباشرة أو غير مباشرة هي الكفيلة بإنهاء الحرب..
وثمة من يعتقد أن نهاية الحرب تكون بنهاية الإحتلال، والطريق الى ذلك، تمرّ عبر المقاومة، وملاحقة الإحتلال وجنوده، والمثال على ذلك، ما حصل في مراحل الإحتلال المختلفة وصولاً الى الإنسحاب الإسرائيلي الكامل من جنوب لبنان، واحتفال لبنان رسمياً بذلك بإعلان «عيد المقاومة والتحرير؟ في 25 أيار من كل عام، مع تبدُّل في الأداء والممارسة والشعائر، وفقاً لطبيعة الحكومات التي توالت على السلطة الإجرائية في العقود الماضية..
ولكن استقراء التجربة التاريخية، تحمل في طياتها، منطوقاً آخر لفهم الحرب، ونهاية الحروب، من تغلب طرف على آخر، أو هزيمة دولة، وسيطرة دولة أخرى.. فالحرب تنتهي بالحرب، ثم تأتي المفاوضات من أجل تكريس أو «تنغيم» (من تناغم) مرحلة ما بعد الحرب (أي الهدنة أو السلام والاستقرار) لمصلحة الجهة التي كسبت المعارك، وأخضعت ارادة «العدو» الىإرادتها، أو أن توازن المصالح وموازين اقوى، فرض نقطة توقف في العمليات العسكرية أو العدائية..
ولعلّ النموذج الأميركي - الإيراني من الحروب، يأتي في إطار التدليل على هذا الفهم.. فعلى جبهة مضيق هرمز، وبندر عباس وطهران وغرب إيران وشمالها وجنوبها، وكل مدنها الكبرى توقفت العمليات، فأعلن وقف النار، ويتابع المفاوضون من الأميركيين والإيرانيين التباحث في المسائل العالقة من مطالب كل من الولايات المتحدة الأميركية والجمهورية الإسلامية الإيرانية، وهناك في سويسرا تعقد المفاوضات والمراجعات لهذه الغاية..
ليس من السهل تجدّد الحرب على الجبهة الإيرانية - الأميركية، ولكن ورقة القوة تبقى حاضرة في عرض البحار والمحيطات، عبر البوارج والفرقاطات والمراكب المطاطة، وقاذفات الصواريخ من نوع بي- 52- فضلاً عن المسيّرات والمحلّقات، وكل وسائل القتال المتطورة من التكنولوجيا إلى الأقمار الإصطناعية ووسائل التجسس وكل أشكال الإستخبارات والعملاء والتجسس..
لا تلعب الدول على مسرح الحرب والاشتباكات بمفردها، فهناك التداخلات والأحلاف والمصالح المتلاقية، في بيئة صراع تتداخل فيها كل العوامل دفعة واحدة، من الإقتصاد، الى أسواق النفط والمال، الى أسواق السلاح وتجارته، الى الجيوبولتيكا المنتشرة بقوة الجغرافيا والانتماءات الدينية، والعقائد والأجناس وكل مؤشرات الصراعات وتأثيراتها على البلدان الواقعة غرب آسيا..
هنا الجيوبولتيكا تترك بصماتها الإيرانية على العراق واليمن وصولاً الى لبنان، بعدما انفرط «العقد السوري» بسقوط الرئيس السابق للجمهورية العربية السورية بشار الأسد ونظام حكمه، فأفقد إيران ورقة قوية في إدارة الصراعات.
احتل لبنان مساحة خاصة في غرفة العمليات العسكرية والجيوبوليتكية الإيرانية، مقابل الفريق الآخر المتمثل بالولايات المتحدة الأميركية واسرائيل كمحور حرب أو تحالف مواجهة (قبل أن يلحق التصدّع به على خلفية الاعتراض اليمين الاسرائيلي على وقف الولايات المتحدة عملياتها الحربية على إيران..)
من زاوية الوقف الداعم للحرب على كل الجبهات، جاء في البند «أ» من ذاكرة التفاهم الأميركي - الإيراني ما يلي: توقِّع الولايات المتحدة الأميركية والجمهورية الإسلامية الإيرانية وحلفاؤهما في الحرب الحالية مذكرة التفاهم هذه لإعلان الوقف الفوري والدائم للعمليات العسكرية على جميع الجهات بما في ذلك لبنان، والتعهد من الآن فصاعداً بعدم شن أي حرب أو أي عملية عسكرية ضد أي منهما، والإمتناع عن تهديد باستخدام القوة أو استخدامها ضد أي منهما، وضمان الإتفاق النهائي الوقف الدائم للحرب على جميع الجبهات، بما في ذلك لبنان، وبنوداً أخرى من هذه الفقرة».
من النص هذا، يتضح أن شمول وقف النار في لبنان جاء بقوة التفاهم الأميركي - الإيراني، وليس من مفاوضات واشنطن، من هنا استمرت المطالبة بأن يسري مفعول وقف النار في لبنان، ريثما تمكّن المفاوضات في الخارجية الأميركية والبنتاغون من إيجاد آليات حل ينهي الإحتلال، ويضمن سيادة لبنان ووحدة أراضيه.
المسألة هنا بمجرياتها، وليس بأي شيء آخر، فالحرب تنهي الحرب، وليس أي شيء آخر!