وأخيراً، وبعد الحرب المتقطعة، التي شنتها الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل على ايران منذ عام تقريباً، تم التوقيع على اتفاق يُنهي الحرب بين البلدين، ويرسم إطار متابعة تنفيذ الاتفاق، الذي لم يُعلن عن النص الرسمي النهائي له بعد، ولكن ما تسرب منه للاعلام، يؤشر انه حقق مطالب رئيسية للإدارة الاميركية، مع مراعاة ثانوية لمطالب للنظام الايراني، ولاسيما بخصوص منع امتلاك طهران للسلاح النووي، وربط الافراج عن الارصدة الايرانية بجملة شروط، إعادة فتح مضيق هرمز، وامتناع النظام الايراني عن تمويل ودعم الجماعات والتنظيمات الارهابية بالمنطقة، ورفع الحصار البحري الاميركي المفروض على الموانئ الايرانية.
وبالرغم من محاولة البعض في النظام الايراني، وأذرعه لاسيما حزب الله، اعتبار الاتفاق بمثابة انتصار للنظام الايراني خلافاً للحقيقة، الا ان الوقائع الميدانية، ومقارنةً ما كانت عليه الاوضاع قبل الحرب، وما اصبحت عليه اليوم، كلها تدل على خسارة مدوية للنظام، ولاسيما بعد الضربات الموجعة التي اصابته بالصميم، وفي مقدمتها اغتيال مرشد الثورة الاسلامية علي خامنئي والقيادة الايرانية مجتمعة، وتدمير ممنهج للآلة العسكرية والمواقع الحربية على اختلافها، واستهداف مواقع لتخصيب اليورانيوم، وتراجع وتيرة الرد الإيراني على المهاجمين، وتدهور الاوضاع الاقتصادية والمعيشية للشعب الايراني إلى الحضيض.
يهدف الانكار الايراني للخسارة بالحرب، والادعاء بالنصر الوهمي على الاعداء، اي ـــ الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل ـــ الى ضخ جرعات من الثقة بالنفس للجمهور الايراني اليائس من سلوكيات المسؤولين الإيرانيين، واعطاء انطباع وهمي باستمرار قوة النظام برغم ما تعرض له، الى بث الخوف في ركاب المعارضين الإيرانيين للنظام بالداخل والخارج معاً فيما ما تسرب من نقاط رئيسية في الاتفاق، تكذِّب هؤلاء المسؤولين وتدحض ادعاءاتهم الوهمية.
مع مرور الوقت، لا بد وأن تتكشف الحقائق عما نتجت عنه الحرب الإسرائيلية والاميركية على ايران، في حين لا يمكن طمس الحقائق التي تكشَّفت عنها ظاهرياً حتى اليوم، وابرزها سيطرة الولايات المتحدة الأميركية على المنطقة دون منازع، وتحكمها بمسار الامور، لاسيما مع تولي رئيسها دونالد ترامب ادارة مسار الحرب والمفاوضات بكل مراحلها، والكشف المبكر عن الاتفاق المعلن عنه، بالرغم من كل محاولات النظام الايراني، التقلُّب والانكار، حتى وقت قصير من اعلان التوقيع عليه.
إسقاط مشروع السيطرة الإيراني، الذي سيطر على المنطقة العربية منذ أكثر من اربعة عقود متتالية، بعد ضرب واستهداف كل قادته المؤثرين، ومكوناته وامتداداته واذرعه من المليشيات المذهبية على امتداد المنطقة كلها، بالرغم من كل محاولات «الطمأنة «الايرانية المتواصلة، باستمرار هذا المشروع، وبدعم هذه الاذرع، تارة من خلال توجيه مشاعر الحرص والمحبة للبنان، وتارة اخرى بتوجيه التهديدات ضد إسرائيل اذا اعتدت على الضاحية الجنوبية لبيروت، مع اسثناء ملحوظ للاعتداءات الإسرائيلية على الجنوب، في حين تكشف بعض نقاط الاتفاق الموعود، بشروط محكمة لمنع صرف الاموال المفرج عنها لتمويل ودعم هذه الاذرع كما كان يحصل في السابق.
وضع خطوط حمر امام إسرائيل للتحرك بالمنطقة، بمعزل عن الولايات المتحدة الأميركية ومصالحها وتحالفاتها، كما ظهر من خلال منع رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، من توجيه القوات الإسرائيلية للاستمرار بضرب ايران، بعد توقف الولايات المتحدة الأميركية، إفساحاً للمفاوضات لتأخذ مداها، وكما حصل عندما طلب ترامب من نتنياهو التوقف عن توجيه ضربات للضاحية الجنوبية لبيروت، أكثر من مرة في الآونة الاخيرة.
خلاصة الحرب الإسرائيلية الاميركية على ايران، بعد التوقيع على الاتفاق الاميركي الايراني، جرى رسم خريطة جديدة للمنطقة، واليد الطولى فيها للولايات المتحدة الأميركية دون منازع، بينما يبقى التساؤل المطروح مَنْ يملأ الفراغ الذي تركه انهيار المشروع الايراني، اي قوة او دولة، حليفة او معادية لواشنطن؟، وان تبدو إسرائيل في المقدمة، في حال انسحبت الولايات المتحدة الأميركية من هذه المهمة، ام ان هناك دول اخرى تطمح لهذا الدور.