السلام لا يلغي المسؤولية: حدود التنازل في القانون الدولي
د. رشا أبو حيدر
يُعدّ مبدأ حرية الدول في إبرام الاتفاقات الدولية من المبادئ الأساسية في القانون الدولي، إلّا أن هذه الحرية ليست مطلقة، إذ تبقى ممارسة هذا الحق محكومة بالقواعد العامة التي تنظم العلاقات بين الدول وتحمي المبادئ الأساسية للنظام القانوني الدولي.
ومن هنا تبرز إشكالية أي تعهد يتضمن امتناع لبنان عن ملاحقة إسرائيل دولياً عن الجرائم المرتكبة على الأراضي اللبنانية، بحيث يطرح السؤال الآتي: هل تستطيع دولة، عبر اتفاق سياسي، أن تتنازل عن حقها في المطالبة بالمساءلة عن أفعال قد تشكّل انتهاكات جسيمة للقانون الدولي؟
وفقاً لاتفاقية فيينا لقانون المعاهدات لعام 1969، فإن الاتفاقات الدولية يجب أن تكون منسجمة مع القواعد الأساسية للقانون الدولي. وقد كرّست المادة 53 من الاتفاقية مفهوم القاعدة الآمرة (Jus Cogens)، معتبرة أن أي معاهدة تتعارض مع قاعدة آمرة من قواعد القانون الدولي العام تكون باطلة.
وانطلاقاً من ذلك، فإن أي تعهد لا يقتصر على تنظيم علاقة سياسية أو إنهاء نزاع، بل يؤدي إلى إعفاء شامل من المسؤولية عن جرائم دولية جسيمة، يثير إشكالية قانونية حول مدى توافقه مع المبادئ التي تمنع الإفلات من العقاب.
غير أن التحليل القانوني يقتضي التمييز بين أمرين: الأول هو حق الدول في إبرام اتفاقات سلام أو تسويات سياسية، وهو أمر يعترف به القانون الدولي بهدف إنهاء النزاعات وتحقيق الاستقرار. والثاني هو محاولة إسقاط المسؤولية عن أفعال قد تدخل ضمن نطاق جرائم الحرب أو الجرائم ضد الإنسانية، وهي جرائم تتجاوز آثارها حدود العلاقة الثنائية بين الدول.
كما أن نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية لعام 1998 أكد أهمية مبدأ المسؤولية الجنائية الفردية عن الجرائم الدولية الخطيرة، بحيث لا تكون الصفة الرسمية أو الظروف السياسية سبباً لإعفاء مرتكبي الجرائم من المسؤولية.
وفي الإطار اللبناني، تبرز إشكالية إضافية تتعلق بحدود سلطة الدولة في التنازل عن حقوق مرتبطة بضحايا الانتهاكات الجسيمة. فالدولة لا تتصرف فقط كطرف سياسي، بل تتحمّل أيضاً واجب حماية مواطنيها وصون حقوقهم الأساسية.
لذلك، فإن أي قراءة لأي بند يتضمن التنازل عن الملاحقة الدولية يجب ألا تنطلق من فكرة أن الاتفاق السياسي يعلو على القانون، بل من قاعدة أساسية مفادها أن مشروعية الاتفاقات الدولية تستمد من احترامها للقانون الدولي.
فالسلام لا يعني محو العدالة، والعدالة لا تعني بالضرورة استمرار الصراع. إن التحدي الحقيقي هو تحقيق التوازن بين إنهاء النزاعات وحماية المبادئ التي تمنع تكرار الجرائم.
وعليه، فإن أي تعهدا يمنع لبنان بصورة مطلقة من المطالبة بمساءلة عن جرائم دولية جسيمة يبقى محل إشكالية قانونية جدّية، لأن الاتفاقات السياسية لا ينبغي أن تتحوّل إلى وسيلة لتعطيل القواعد الأساسية التي يقوم عليها النظام القانوني الدولي.
فالسلام المستدام لا يُبنى على غياب العدالة، بل على احترامها.






