حضرة السيدة نازك رفيق الحريري،
أتوجّه إليكِ بهذه الرسالة الصريحة بكل احترام وتقدير لمكانتكِ، وبنيّة صادقة لا يحكمها سوى الحرص على ذكرى الرئيس الشهيد رفيق الحريري، طيّب لله ثراه، الذي ما زال حاضراً في وجدان ملايين اللبنانيين الذين رأوا فيه رمزاً للإعمار والعطاء والأمل.
أرجو منكِ التوقّف عن إصدار التصريحات والبيانات الموسمية التي يُستحضر فيها اسم الرئيس الشهيد. فكلما ورد اسمه، عاد محبّوه وأنصاره إلى استذكار مسيرته الحافلة بالإنجازات الوطنية والإنسانية، واستعادوا صورة الرجل الذي بنى المؤسسات، ودعم التعليم والاستشفاء والعمل الاجتماعي، وفتح أبوابه أمام الناس من مختلف المناطق والانتماءات.
لكن هذه الذكريات تختلط لدى كثيرين بشعور من الأسى وهم يرون أن معظم المؤسسات الاجتماعية والخيرية والتربوية والصحية التي ارتبطت باسمه قد تراجعت أو توقفت. ورغم إدراك الجميع بأن هذا التراجع يعود في جزء كبير منه إلى الظروف السياسية والاقتصادية القاسية التي مر بها لبنان، وإلى تبدل الأولويات والخيارات لدى العائلة والوارثين السياسيّين بعد استشهاده، إلّا أن المشروع الإنساني والوطني الذي حمله لم يعد حاضراً بالزخم نفسه الذي عرفه اللبنانيون في حياته.
ويتذكّر كثيرون أيضاً، ومع مراعاة كل تلك الظروف العامة، أنكِ غادرتِ لبنان منذ عام 2005، آخر مرة زرتِ فيها ضريحه، وقرأتِ له الفاتحة. وابتعدتِ طوال السنوات اللاحقة عن الحياة العامة التي ارتبطت باسم رفيق الحريري. كما يستحضرون بيع قصر قريطم، الذي لم يكن بالنسبة إليهم مجرد منزل أو عقار، بل رمزاً سياسياً ووطنياً واجتماعياً ارتبط بمرحلة كاملة من تاريخ لبنان وبعلاقة الرئيس الشهيد بالناس.
لا أدّعي معرفة ظروفكِ الشخصية أو الأسباب التي دفعت إلى هذه الخيارات، ولستُ في موقع إصدار الأحكام على أحد. لكنني، كواحد من اللبنانيين الذين ما زالوا يحملون للرئيس الشهيد محبة صادقة وتقديراً كبيراً، أتمنى أن يبقى اسمه بعيداً عن أي سجال أو موقف قد يثير الانقسام أو الجدل بين محبّيه.
إن ذكر رفيق الحريري يجب أن يكون مناسبة لاستحضار مشروعه الوطني وقيمه في البناء والاعتدال والمصالحة والأمل. فالإرث الحقيقي لأي قائد لا يُصان بالاسم وحده، بل باستمرار الإنجازات والحفاظ على الصورة التي تركها في وجدان الناس وعلى المبادئ التي ناضل من أجلها.
لذلك، أتمنى أن تُترك ذكراه في مكانها الطبيعي: في قلوب اللبنانيين الذين أحبّوه، وفي صفحات التاريخ التي حفظت له دوره وإسهاماته. ففي زمن الانقسامات والتجاذبات، تكون حماية غياب القائد أحياناً بالصمت والترفع عن السجالات اليومية، لتبقى صورته الذهنية نقية، ناصعة، وكاملة كما رُسمت في وجداننا يوم 14 شباط 2005، بعيداً عن كل ما قد يفتح الجراح أو يثير الجدل حول إرثه ومسيرته.
التوقيع: اللبنانيون الذين ما زالوا يؤمنون بلبنان الذي حلم به رفيق الحريري.