د. طلال الساحلي*
يشهد العالم في العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين تحوّلات بنيوية عميقة تمسّ أسس النظام الدولي الذي تشكّل عقب انتهاء الحرب الباردة. فبعد ما يقارب ثلاثة عقود من التفوّق الأميركي شبه المطلق، بدأت تظهر مؤشرات انتقال تدريجي نحو نظام عالمي أكثر تعددية وتعقيداً، تتوزع فيه مراكز القوة الاقتصادية والسياسية والعسكرية بين عدد متزايد من الفاعلين الدوليين. وفي قلب هذه التحوّلات يقف العالم العربي أمام لحظة تاريخية استثنائية تجمع بين التحدّي والفرصة في آن واحد.
فمن ناحية، تبدو المنطقة العربية واحدة من أكثر مناطق العالم تعرضاً للاختراقات الخارجية والصراعات الداخلية وأزمات السيادة. ومن ناحية أخرى، تضعها التحوّلات الدولية الجارية في موقع يسمح لها - نظرياً على الأقل - بإعادة صياغة دورها ومكانتها في النظام العالمي الجديد. غير أن السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه يتمثل في معرفة ما إذا كانت الدول العربية تمتلك الإرادة والقدرة على استثمار هذه اللحظة التاريخية أم أنها ستبقى أسيرة التبعية والانقسام في مرحلة إعادة توزيع القوة العالمية.
أفول الأحادية الأميركية وتحوّلات القوة العالمية
عندما انهار الاتحاد السوفيتي عام 1991 بدت الولايات المتحدة وكأنها القوة الوحيدة القادرة على رسم معالم النظام الدولي الجديد. وقد وصف الباحث الأميركي فرانسيس فوكوياما تلك المرحلة بأنها لحظة انتصار النموذج الليبرالي الغربي ونهاية الصراعات الأيديولوجية الكبرى. غير أن التطورات اللاحقة أثبتت أن التاريخ لم يصل إلى نهايته، بل دخل مرحلة جديدة من التنافس الدولي.
فالحروب التي خاضتها الولايات المتحدة في أفغانستان والعراق كشفت حدود القدرة العسكرية الأميركية على إعادة تشكيل المجتمعات والدول وفق الرؤية الغربية. كما أدّى الصعود الاقتصادي المتسارع للصين إلى ظهور مركز ثقل اقتصادي عالمي جديد بات ينافس الغرب في التجارة والتكنولوجيا والاستثمارات والبنية التحتية. وفي الوقت نفسه استعادت روسيا جزءاً مهماً من حضورها الاستراتيجي، ولا سيما بعد تدخّلها في سوريا عام 2015، بينما بدأت التكتلات الاقتصادية الناشئة، وفي مقدمتها مجموعة بريكس، تلعب أدواراً متزايدة في إعادة تشكيل الاقتصاد العالمي.
ولا تعني هذه التحوّلات انهيار الولايات المتحدة أو نهاية نفوذها، لكنها تشير إلى تراجع قدرتها على الانفراد بإدارة النظام الدولي كما كان الحال خلال تسعينيات القرن الماضي. ومن ثم فإن العالم يتجه تدريجياً نحو تعددية قطبية نسبية تفتح المجال أمام قوى إقليمية ومتوسطة الحجم للعب أدوار أكثر استقلالاً.
العالم العربي بين الثروة الجيوسياسية والعجز الاستراتيجي
رغم أن المنطقة العربية تمتلك واحداً من أهم المواقع الجيوسياسية في العالم، فإنها لم تنجح في تحويل هذا الموقع إلى نفوذ استراتيجي مستدام. فالعالم العربي يشرف على أهم الممرات البحرية العالمية، ويحتضن جزءاً كبيراً من احتياطيات الطاقة التقليدية، ويمتلك سوقاً بشرية واسعة وموارد مالية ضخمة. ومع ذلك، بقي تأثيره السياسي أقل بكثير من حجم إمكاناته الفعلية.
ويعود ذلك إلى أسباب تاريخية وبنيوية متراكمة، أبرزها ضعف التكامل الاقتصادي العربي، واستمرار النزاعات البينية، وتراجع فعالية المؤسسات الإقليمية، إضافة إلى الاعتماد الأمني الطويل على القوى الخارجية. وقد أدى ذلك إلى نشوء مفارقة لافتة تتمثل في أن العالم العربي يمتلك عناصر القوة لكنه يفتقر إلى القدرة على توظيفها ضمن مشروع استراتيجي موحد.
حرب غزة ولبنان وإعادة اكتشاف أزمة السيادة
جاءت الحرب على غزة وما تبعها من تصعيد إقليمي ليكشف مرة أخرى حدود النظام العربي الراهن. فقد أظهرت الأحداث أن المنطقة لا تزال عاجزة عن إنتاج مقاربة جماعية فعالة للتعامل مع الأزمات الكبرى، كما أبرزت حجم الفجوة بين الرأي العام العربي وبين السياسات الرسمية في عدد من الدول.
وفي الوقت ذاته أعادت الحرب طرح سؤال السيادة الوطنية في عدد من الدول العربية، ولا سيما تلك الواقعة على خطوط التماس الإقليمي. فلبنان، على سبيل المثال، أصبح نموذجاً مكثفاً للتداخل بين المحلي والإقليمي والدولي، بحيث يصعب أحياناً الفصل بين أبعاد الصراع الداخلية والخارجية. كما أن استمرار الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية وتحوّل القضية الفلسطينية إلى بؤرة توتر دائمة يعكسان فشلاً مستمراً في بناء نظام إقليمي قادر على إنتاج الأمن والاستقرار.
ولعل أحد أهم الدروس المستخلصة من هذه الحرب يتمثل في أن غياب السيادة العربية الفاعلة لم يعد مجرد مشكلة داخلية، بل أصبح عاملاً مشجعاً لتكرار التدخلات الخارجية والاعتداءات العسكرية وإعادة رسم موازين القوى الإقليمية.
صعود الصين وبريكس وفرصة التموضع العربي الجديد
في المقابل، تتيح التحوّلات الدولية الراهنة فرصاً غير مسبوقة أمام الدول العربية. فالصين، التي أصبحت الشريك التجاري الأول لمعظم الدول العربية، تقدم نموذجاً مختلفاً للعلاقات الدولية يقوم أساساً على المصالح الاقتصادية والاستثمارية. كما أن توسّع مجموعة بريكس يعكس رغبة متزايدة لدى العديد من الدول في بناء نظام اقتصادي عالمي أكثر توازناً وأقل خضوعاً للمركزية الغربية التقليدية.
وتكمن أهمية هذه التطورات بالنسبة للعالم العربي في أنها تمنحه هامشاً أوسع للمناورة الاستراتيجية. فبدلاً من الارتهان لمحور دولي واحد، باتت الدول العربية قادرة نظرياً على تنويع شراكاتها واستثماراتها وعلاقاتها الاقتصادية والتكنولوجية. غير أن تحويل هذه الإمكانية إلى مكسب فعلي يتطلب وجود رؤية عربية واضحة تحدد الأولويات والمصالح المشتركة.
هل يملك العرب فرصة تاريخية؟
إن الإجابة عن هذا السؤال لا تتوقف على طبيعة التحوّلات الدولية وحدها، بل ترتبط قبل كل شيء بقدرة العرب أنفسهم على إعادة بناء مفهوم المصلحة المشتركة. فالتاريخ يبين أن اللحظات الانتقالية الكبرى لا تمنح الفرص بصورة تلقائية، بل تتيح إمكانات تستفيد منها الدول والمجتمعات القادرة على التنظيم والتخطيط والاستشراف.
ومن هنا فإن استعادة الفعل الاستراتيجي العربي تتطلب إعادة تعريف الأمن القومي العربي ليشمل الأمن الغذائي والمائي والتكنولوجي والمعرفي إلى جانب الأمن العسكري، كما تستدعي تطوير مؤسسات العمل العربي المشترك وتعزيز الاستثمار في التعليم والبحث العلمي والاقتصاد الرقمي. ذلك أن النفوذ في القرن الحادي والعشرين لن يقاس فقط بحجم الجيوش أو الثروات الطبيعية، بل بامتلاك المعرفة والقدرة على الابتكار والتحكم بالتكنولوجيا.
اليوم، يقف العالم العربي أمام منعطف تاريخي لا يقل أهمية عن المنعطفات الكبرى التي شهدها القرن العشرون. فالتحوّلات الدولية الجارية تفتح الباب أمام إعادة تموضع استراتيجية قد تسمح للعرب باستعادة جزء من دورهم المفقود، لكنها في الوقت نفسه تحمل مخاطر كبيرة إذا استمرت الانقسامات القائمة وفشلت الدول العربية في بناء رؤية مشتركة للمستقبل.
وعليه، فإن السؤال الحقيقي لا يتمثل في ما إذا كانت الهيمنة الأميركية تتراجع أو ما إذا كانت الصين ستصعد إلى موقع القوة الأولى عالمياً، بل في ما إذا كان العرب قادرين على استثمار هذه التحوّلات لصياغة مشروع إقليمي جديد يحوّلهم من موضوع للتنافس الدولي إلى طرف مشارك في صناعة النظام العالمي القادم.
* وزير سابق