بيروت - لبنان

اخر الأخبار

18 حزيران 2026 12:10ص دور المؤسسة العسكرية والأجهزة الأمنية في مواجهة الفتن وضمان الاستقرار

حجم الخط
يفرض التوتر السياسي والمذهبي الراهن، وما يرافقه من شحن وتحريض مستمر، تحدّياً مصيرياً يستوجب تحرّكاً فورياً وحاسماً من الجيش اللبناني والقوى والأجهزة الأمنية كافة، باعتبارها الركيزة الأساسية لحماية السلم الأهلي ومنع أي احتكاك في الشارع قد يتحول سريعاً إلى مواجهات ميدانية واسعة. وفي ظل هذه الأجواء المشحونة، لا يعود الحفاظ على الاستقرار مجرد مهمة روتينية، بل يصبح الواجب الوطني الأسمى لمنع الانزلاق نحو الفوضى، مما يتطلب استراتيجية أمنية وقائية متكاملة مدعومة بقرار سياسي حازم وغطاء دبلوماسي عربي ودولي حريص على استقرار الوطن.

• التكامل الأمني المشترك: الركيزة الأولى لردع الفتنة

إن مواجهة التحديات الأمنية الناشئة عن الاحتقان السياسي والمذهبي تتطلب جهوداً استثنائية تفوق القدرات المنفردة لأي جهاز عسكري أو أمني. إن المفتاح الأساسي للنجاح في ضبط الأرض يكمن في التنسيق المشترك، وتكامل الأدوار، وتبادل المعلومات الاستخباراتية الفورية بين الجيش اللبناني، وقوى الأمن الداخلي، والأمن العام، وأمن الدولة. هذا التعاون الوثيق يتيح صياغة استراتيجية أمنية وقائية تعتمد على ذراعين أساسيين:
- العمل الاستباقي والرصد اللوجستي: إن متابعة بؤر التوتر المحتملة، ومراقبة منصات التواصل الاجتماعي التي تنشط في بث الشائعات والتحريض، تسمح للأجهزة الأمنية بتفكيك مشاريع الفتن في مهدها وقبل أن تنتقل إلى الأرض، عبر توقيف المحرضين والمخلين بالأمن بشكل فوري.
- التوزيع الذكي للمهام الميدانية: يتيح التنسيق الفعّال للجيش التركيز على ضبط المفاصل الاستراتيجية، وحماية المداخل والمخارج الأساسية للمناطق الساخنة، ومنع أي تمدد جغرافي لأي إشكال ميداني. بالتوازي مع ذلك، تنصرف الأجهزة الأمنية الأخرى إلى الانتشار في الأحياء الداخلية، وتأمين حماية المؤسسات العامة والخاصة، وملاحقة العابثين بالاستقرار.
- الحياد الإيجابي والحسم: إن التزام القوى المسلحة بعقيدتها الوطنية الجامعة، ووقوفها على مسافة واحدة من جميع الأطراف السياسية والطائفية، يعزز ثقة المواطنين بها كمرجعية شرعية وحيدة. هذا الحياد يمنح تحركاتها الميدانية مشروعية شعبية تامة، ويقطع الطريق على أي طرف يحاول إضفاء طابع فئوي أو مذهبي على الإجراءات الأمنية.

• مجلس الدفاع الأعلى: نحو خطة طوارئ وإدارة مستدامة للأزمة

في الأوقات التي يبلغ فيها الشحن السياسي ذروته، لا يمكن للدولة أن تكتفي بموقع «رد الفعل» المنتظر للحوادث؛ بل يفرض الواجب على السلطة التنفيذية الانتقال إلى موقع «المبادرة والسيطرة». هذا الدور يقع مباشرة على عاتق مجلس الدفاع الأعلى، باعتباره المظلة السياسية والقانونية الأرفع التي تدير الجهود الدفاعية والأمنية للبلاد. إن دقة المرحلة تستوجب من المجلس اتخاذ خطوات استثنائية تترجم خطورة الموقف:
1. وضع خطة طوارئ أمنية شاملة: تهدف هذه الخطة إلى رسم «خطوط حمراء» واضحة وحاسمة لا يُسمح لأي جهة أو فرد بتجاوزها. وتتضمن الخطة إعطاء أوامر صارمة لا لبس فيها للقوى العسكرية بالتعامل الفوري والحازم مع أي محاولة لقطع الطرقات الحيوية، أو ترهيب المارة، أو إثارة الشغب والاعتداء على الأملاك العامة والخاصة، مع مرونة تامة في إعادة توزيع القوات جغرافياً تبعاً للمستجدات الميدانية.
2. الإبقاء على المجلس في حالة انعقاد منتظم ودائم: إن تحويل اجتماعات مجلس الدفاع الأعلى إلى حالة انعقاد دائم ومفتوح ليس مجرد تدبير إداري، بل هو رسالة سياسية بالغة الأهمية للداخل والخارج تؤكد جهوزية الدولة التامة بكافة أركانها. هذا الانعقاد الدائم يضمن المواكبة اليومية واللحظية لتنفيذ الخطة الأمنية الشاملة على الأرض، وتذليل أي عقبات لوجستية أو سياسية قد تواجه القوى المسلحة، فضلاً عن القدرة على تعديل الخطط الميدانية بناءً على التقارير الاستخباراتية الفورية الواردة من غرف العمليات.

• التقاطع مع الحراك الدبلوماسي: شبكة الأمان الخارجية والدور السعودي

إن الجهود الأمنية الداخلية والخطوات الاستثنائية لمجلس الدفاع الأعلى لا تعيش في معزل عن الواقع الخارجي؛ بل إنها تتقاطع بشكل عضوي مع حراك دبلوماسي مكثف تقوده العواصم العربية والدولية. فجميع الاتصالات الدبلوماسية العربية والدولية التي ترد إلى المراجع الرسمية اللبنانية تحمل مطالبات حثيثة ومصرة بأن تتحمل القوى العسكرية والأمنية مسؤولياتها كاملة وبلا تردد في ضبط الشارع، وحماية المؤسسات، ومنع أي انزلاق نحو الفوضى.
وفي مقدمة هذه الجهود، يبرز الدور المحوري والمستمر للمملكة العربية السعودية. إن هذا الحراك الدبلوماسي، ولا سيما السعودي، لا يمثل مجرد رغبة في استقرار تقليدي، بل يشكل امتداداً جغرافياً وعملاتياً لشبكة الأمان والضمانات الخارجية التي لطالما وفرتها المملكة والأشقاء العرب للبنان في أحلك ظروفه. وتدرك عواصم القرار أن أي جهد خارجي أو مظلة دعم سياسي واقتصادي يحتاجها لبنان لمواجهة أزماته، لا يمكن أن تثمر ما لم تقابلها «أرضية أمنية صلبة» في الداخل تمسك بها المؤسسات الشرعية. بالتالي، فإن حزم الأجهزة الأمنية في الداخل هو الضمانة التي تحمي جهود الأصدقاء والأشقاء، وتمنع تحويل الساحة اللبنانية إلى صندوق بريد لتوجيه الرسائل الإقليمية الساخنة، وهو ما تحرص شبكة الأمان الخارجية على منعه وإحباطه كلياً.

• السيطرة الميدانية ومنع الاحتكاك المباشر في الشارع

إن المصب النهائي لكل هذه الخطط الأمنية الشاملة والمواكبة الدبلوماسية المستمرة يتجلى في منع الاحتكاك المباشر في الشارع. فالأرض المعبأة بالتحريض تشبه حبراً جافاً سريع الاشتعال، ومن هنا تأتي أهمية الانتشار العسكري المكثف وإقامة الحواجز الثابتة وتسيير الدوريات المؤللة والراجلة في المناطق الساخنة وخطوط التماس التقليدية أو السياسية.
إن هذا الحضور الأمني الكثيف يخلق «حاجزاً نفسي وبشري وعسكري» يفصل بين الأطراف المتنازعة، ويقطع الطريق فوراً على أي «طابور خامس» قد يحاول استغلال التلاسن الفردي لإشعال فتنة متنقلة بين الأحياء. إن فرض هيبة القانون بقوة السلاح الشرعي يعيد الطمأنينة إلى قلوب المواطنين الخائفين على أرزاقهم وأرواحهم، ويهدئ من روع النفوس المشحونة، ويجبر المحرضين على التراجع خطوة إلى الوراء بعد إدراكهم أن كلفة الإخلال بالأمن ستكون باهظة وفورية.

• تعزيز هيبة الدولة: المدخل الأساسي لتعطيل صواعق التفجير وبناء الاستقرار

في محصلة القول، إن السلم الأهلي في الأوطان التعددية والمشحونة سياسياً ليس هبة مجانية تأتي بالتمنيات، بل هو نتاج تضحيات جسام ووعي شعبي تحميه قوة شرعية حاسمة لا ترتجف يدها في تطبيق القانون. وفي ظل هذه الأجواء الدقيقة والمعقدة، يبقى الجيش اللبناني ومعه الأجهزة الأمنية كافة الحصن الأخير المتبقي لحماية الكيان الوطني وصون صيغة العيش المشترك.
إن تضافر جهود القوى المسلحة وتكاملها، وتحركها تحت غطاء تنفيذي وسياسي صارم يؤمنه مجلس الدفاع الأعلى عبر خطة طوارئ شاملة وانعقاد دائم ومستمر، هو السبيل الوحيد لملاقاة جهود الأشقاء والأصدقاء، وفي طليعتهم المملكة العربية السعودية. إن هذه الجهود المتكاملة كفيلة بتعطيل صواعق التفجير، وننزع فتيل الفتن المتنقلة، والعبور بالبلاد نحو بر الأمان والاستقرار، تطلعاً لبناء دولة قوية قادرة على حماية أبنائها وصون سيادتها ورسالتها الحضارية.