27 أيار 2026 12:00ص هل من الضرورة أن تبقى الساحة اللبنانية مرتعاً لتبادل الرسائل القاتلة وماذا عن التفاوض؟!

حجم الخط
إنّ المرحلة الراهنة التي تَمرُّ بها الجمهورية اللبنانية هي من أدق المراحل وأخطرها التي مرّت بها منذ نشأتها والتي بنوا (اللجنة الثلاثية العربية - الملك فهد بن عبد العزيز - الأمير سعود الفيصل - الرئيس رفيق الحريري - الأخضر الإبراهيمي)، على أنقاضها ما عُـرِفَ بوثيقة الوفاق الوطني، وبناءً عليها فقد تمّ إدخال تعديلات جديدة على الدستور المُشرّع في العام 1926، والملاحظ وإستناداً لفقهاء الدستور أنّ قِسماً كبيراً من أحكام هذه الوثيقة لم يفرد له مكان في الدستور ولا في مقدمته والعديد من بنودها لم يدخل حيِّز التنفيذ وهذا الأمر بحد ذاته يُعّد تقويضاً لطبيعة هذه الوثيقة.
حالياً في ظـل التحوّلات المحلية - الإقليمية - الدولية العميقة التي تشهدها المنطقة ربما لا يتموضع النظام السياسي اللبناني في عين العاصفة ولكنه مثل كل الأنظمة الجغرافية السياسية ليس بمعزل عن تداعيات تلك التحوّلات كيفما كانتْ مآلاتها. ولفهم تلك التداعيات المحتملة أو التي سترد تباعاً على مراكز الأبحاث المحلية الإنطلاق من ركيزتين أساسيتين من الضروري لا بل مُلزِم قراءتهما للواقع اللبناني:
• بكل أسف عدم توفر شروط السيادة الوطنية بمختلف مكوناتها السياسية - العسكرية - الاقتصادية - الإجتماعية - الثقافية، وهذه الشروط التي تُحيِّد أي إمكانية للتدخّل في القرار السيادي الوطني.
• على عكس أسلوب الإستراتيجيات التي تُعتمد في الدول وفي مراكز القرار الإقليمي والدولي فإنها لم تعُد أولويّة للجمهورية وهو ما يعني أنّ القوة العربية والقوة العالمية لا يهتمان حالياً بطبيعة الوضع اللبناني وشرعيته التي هي على المحك، إذ يبدو عاجزاً عن ضبط الأمور وما يهدِّد مصالحه ومصالح الدولة والشعب في المدى المنظور وفي المدى البعيد.
الجمهورية اللبنانية تحوّلتْ عملياً وفعلياً إلى ساحة قتال بالإنابة بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية ممثلة بضباط الحرس الثوري الوافدين إلى لبنان بـ«جوازات سفر مزورة» بمشاركة ميليشيا حزب الله ودولة إسرائيل وبعض الدول الغربية، علماً أنّ إيران في المرحلة الراهنة تستخدم دولاً أخرى باحثةَ عن ساحة تمكّنها من التفاوض بالنار بأذرعتها والدول الرهينة. هذه المنظومة التي تعتمدها إيران بلغت مرحلة أكثر خطورة حيث باتتْ الأرض اللبنانية أداة ضغط ميداني – عسكري - اقتصادي، بما جعل الوضع العام في البلاد رهينة إيقاع التصعيد الإيراني الخطير.
الجمهورية اللبنانية باتت رهينة في يد إيران وحزب الله وتحوّلتْ الأحوال إلى منحى خطير وتتعرّض الجمهورية لحافة الإنفجار، فإسرائيل بلغت الليطاني وتوّغلت أكثر عمقاً في البلدات الجنوبية ناهيك عن النزوح والتدمير والقتلى، فيما النظام السياسي عاجز عن ضبط الأمور لناحية قرار الحرب والسلم بالكامل. بصريح العبارة هناك نظام سياسي ضعيف يُحاول النأي بالنفس وميليشيا مسلحة تدفعه إلى صلب المواجهة.
المنطق العسكري يعتبر أنّ ديمومة الحرب إستزاف مستمِّر ومكلف تتجاوز خسائره الأضرار العسكرية المباشرة التي تطال عناصر ميليشيا حزب الله والأهالي، وفعلياً امتدّت التكلفة الباهظة للحرب لتشمل إنهيار مؤسسات الدولة وتراجع النمو الاقتصادي والمالي وتضخم الديون، إلى جانب كبير من القتلى والجرحى والضحايا والتهجير... هل يُدرك المسؤولون اللبنانيّون الحاليون (رؤساء - نوّاب - وزراء - أحزاب - رجال دين مسيحيين ومُسلمين) أنّ خسائر الحرب الحالية تُقدّر بحوالي 160 مليون دولار في اليوم؟!
إنّ كلفة الحرب بآثارها وضحاياها باهظة جداً وتأثيرها الارتدادي شمل كافة النواحي المجتمعية - الاقتصادية - المالية، لذا بات الأمر يتطلب تفكير سياسي عقلاني يعتمد على المنطق والتحليل والتفاوض ويهدف إلى إدارة الأزمة وفهم ظواهرها السياسية وأهدافها بناءً على مصلحة عامة وطنية واقعية تتجاوز كل المصالح والإيديولوجيات الجامدة وركائز هذا التفكير السياسي العقلاني الواقعية السياسية المبنية على مبدأ التفاوض.
إنّ التفاوض هو عملية معقّدة تتداخل فيها عوامل مركبة وهي بالنسبة إلينا كمركز أبحاث PEAC وسيلة لخدمة هدف أساسي ألا وهــو الحفاظ على المصالح العليا للشعب اللبناني والدولة اللبنانية في مواجهة التدخّل الإيراني وفي وجه الأخطار التي تتأتى من هذا التدخل، وبالتالي إنّ عملية التفاوض هدفها المحافظة على مصالح الجمهورية والشعب اللبناني وسيادة القرار اللبناني في إستقلاله وسيادته المطلقة وكيفية تثبيت ذلك بمواجهة كل من إيران وإسرائيل.
إنّ التفاوض على الحقيقة هو وسيلة من وسائل السياسة الصادقة والسليمة، وإنّ قيمة التفاوض مرتبط بمضمون المطالب التي توجهه والتي يسعى لتحقيقها ضمن إطار القانون الدولي العام.

* أمين سر المركز الدولي للأبحاث السياسية والاقتصادية