فرصة لبنانية وسط العاصفة الإقليمية
في خضم مشهد إقليمي بالغ التعقيد، حيث تتداخل المواجهة الأميركية - الإيرانية مع تصاعد الخطاب العسكري والتهديدات المتبادلة، تبدو الساحة اللبنانية أمام فرصة نادرة لإعادة تثبيت أولوياتها الوطنية بعيداً عن حسابات المحاور. فالجولة الأولى من المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية التي انعقدت في روما لم تكن مجرد لقاء تقني لمناقشة تنفيذ تفاهمات سابقة، بل حملت في طياتها مؤشرات سياسية قد ترسم ملامح مرحلة جديدة إذا ما أحسن لبنان استثمارها.
ورغم الضجيج الذي يحيط بالمنطقة، وما يرافقه من مخاوف حقيقية بشأن احتمال انهيار اتفاقات وقف إطلاق النار أو توسع دائرة المواجهة، انتهت الجولة الأولى بأجواء وصفت بالإيجابية نسبياً. والأهم من ذلك، أن الجانب الإسرائيلي أعلن التزامه بمبدأ الانسحاب من المناطق الحدودية التي لا يزال يحتلها، وفق ما نص عليه اتفاق الإطار الذي جرى التوافق عليه سابقاً في واشنطن. وإذا ما تُرجمت هذه الالتزامات إلى خطوات عملية ضمن جدول زمني واضح، فإن لبنان سيكون أمام إنجاز سياسي وأمني يعيد الاعتبار للدولة ولمؤسساتها الشرعية.
إن فصل المسار اللبناني عن التعقيدات المرتبطة بالملف الإيراني يشكل في هذه المرحلة مصلحة وطنية بامتياز، وليس مجرد رغبة دولية أو إقليمية. فلبنان الذي دفع لعقود أثمان صراعات الآخرين، يحتاج اليوم إلى تثبيت معادلة جديدة قوامها أن أمنه واستقراره وسيادته لا يجوز أن يبقوا رهائن لتطورات لا يملك قرارها. ومن هنا، فإن نجاح المفاوضات سيؤكد أن المقاربة الدبلوماسية الجدية قادرة على تحقيق ما عجزت عنه سنوات التصعيد والمواجهات.
كما أن أي تقدم في ملف الانسحاب الإسرائيلي سيمنح زيارة رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون إلى واشنطن، والمقررة الأسبوع المقبل، زخماً سياسياً إضافياً، ويعزز موقع لبنان التفاوضي أمام المجتمع الدولي. فاستكمال الانسحاب وتسليم الجيش اللبناني مسؤولية المناطق المحررة في الجنوب لا يمثلان مجرد تطبيق لاتفاق، بل يشكلان ترجمة فعلية لاستعادة الدولة دورها الطبيعي، وترسيخ سيادتها على كامل أراضيها، بما يعيد الثقة بالمؤسسات الشرعية ويؤكد أن حماية الوطن تبدأ من قوة الدولة ووحدتها.
إن المرحلة الراهنة تفرض على القوى السياسية اللبنانية قراءة دقيقة للتحولات الإقليمية، بعيداً عن الحسابات الضيقة والانقسامات التقليدية. فالدول التي تنجح ليست تلك التي تنتظر تبدل الظروف، بل التي تحسن استغلالها بما يخدم مصالحها العليا. واليوم، تبدو الفرصة متاحة أمام لبنان لكي يثبت أن مصلحته الوطنية تتقدم على أي ارتباط خارجي، وأن استقرار شعبه وسيادة أرضه هما البوصلة الوحيدة التي ينبغي أن توجه القرار السياسي.
وقد تقاطع اكثر من مفكر سياسي مع رئيس الوزراء البريطاني الراحل ونستون تشرشل حول فكرة أن «لا تدع أزمة جيدة تذهب سدى». وهي مقولة تختصر فلسفة الدول الناجحة في تحويل الأزمات إلى فرص، واستثمار التحولات الكبرى لتعزيز مصالح أوطانها وتطوير مستقبلها!






