بيروت - لبنان

اخر الأخبار

22 حزيران 2026 12:45ص بين العودة إلى الأرض والخوف على الوطن

حجم الخط
كلما قرأت عن عودة أهل الجنوب إلى قراهم، أشعر بمزيج غريب من الفرح والقلق.
أفرح لأن الإنسان عندما يعود إلى أرضه يثبت أن العلاقة بينه وبين وطنه أعمق من الخوف وأقوى من الحرب. وأقلق لأنني أعرف أن تاريخ لبنان علّمنا أن الخطر لا يأتي دائماً من الحدود، بل أحياناً من الشقوق التي تتسلل إلى داخل مجتمعنا عندما نختلف على أبسط الحقائق.
اليوم، وبينما ينشغل كثيرون بمتابعة المفاوضات والتصريحات والوعود الدولية، يبدو لي أن المشهد الأكثر أهمية هو مشهد الناس أنفسهم. هؤلاء الذين يفتحون أبواب بيوتهم المهدمة، ويزيلون الركام عن حقولهم، ويحاولون استعادة شيء من حياتهم الطبيعية. وجودهم ليس تفصيلاً عابراً في المشهد، بل هو عنصر أساسي في رسم مستقبل المنطقة كلها.
فالأرض التي تبقى مأهولة بأهلها يصعب تغيير هويتها، والقرية التي يتمسك أهلها بها لا تتحول بسهولة إلى بند على طاولة تفاوض أو إلى رقم في تقرير دولي.
لكن ما يخيفني أكثر من أي شيء آخر هو أن نضيع مرة جديدة في نقاشاتنا الداخلية. أن يتحول وجع الناس إلى مادة للانقسام. أن يبدأ اللبنانيون واللبنانيات بتصنيف الضحايا وفقاً لمواقفهم السياسية. أن تصبح معاناة أهل الجنوب قضية تخص فئة دون أخرى، بينما الحقيقة أنها قضية وطن بأكمله.
لقد دفع لبنان أثماناً باهظة كلما سمح للفتنة أن تتسلل بين أبنائه وبناته. وفي كل مرة كنا نكتشف متأخرين أن الذين اختلفوا كانوا جميعاً خاسرين، وأن المستفيد الوحيد كان من أراد لبنان ضعيفاً ومفككاً وعاجزاً عن الاتفاق على أولوياته الوطنية.
لهذا أعتقد أن مسؤولية الدولة اليوم لا تقتصر على التفاوض ولا على إدارة الملفات السياسية والأمنية فقط. مسؤوليتها أيضاً أن تحمي الناس، وأن تجعل أمن أهل الجنوب وحقهم في حياة كريمة جزءاً من أي مسار تفاوضي. فلا قيمة لأي اتفاق إذا عاد الإنسان إلى أرضه وهو يشعر أنه متروك لمصيره.
ما أتمناه حقيقةً ليس انتصار فريق على فريق، ولا غلبة رواية على أخرى.
 ما أتمناه ببساطة أن نتعلم أخيراً أن حماية الأرض تبدأ بحماية الناس، وأن حماية الناس تبدأ بحماية وحدتنا الوطنية من كل خطاب يدفعنا نحو الكراهية والشك والخصومة.
فالجنوب اليوم لا يحتاج فقط إلى إعادة إعمار الحجر، بل يحتاج أيضاً إلى إعادة ترميم الثقة بين اللبنانيين واللبنانيات أنفسهم. وهذه المهمة ربما تكون الأصعب... لكنها أيضاً الأكثر ضرورة.

خلود وتار قاسم