بين المماطلة الإسرائيلية والتراخي الأميركي…
لم يعد الخطر الحقيقي الذي يواجه المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل، برعاية الولايات المتحدة، يتمثل في تعقيدات الملفات التقنية أو الأمنية، بل في استمرار التهرُّب الإسرائيلي من تنفيذ المرحلة الأولى من الانسحابات من "المناطق التجريبية" المنصوص عليها في اتفاق الإطار. فهذه الخطوة كانت تشكل اختباراً أولياً لجدية الالتزام بالاتفاق، وبناء الثقة اللازمة للانتقال إلى المراحل اللاحقة، إلا أنها ما زالت تراوح مكانها بفعل المماطلة الإسرائيلية.
إن استمرار هذا الواقع يضع الإدارة الأميركية أمام اختبار لا يقل أهمية عن الاختبار الذي تواجهه الحكومة الإسرائيلية. فواشنطن هي الراعي المباشر للمفاوضات، وصاحبة الضمانات السياسية التي شجعت لبنان على خوض هذا المسار الصعب. وإذا لم تتمكن من إلزام إسرائيل بتنفيذ التزاماتها الأولى، فإن صدقية الرعاية الأميركية ستتعرض لاهتزاز كبير، ليس في لبنان فحسب، بل في المنطقة بأسرها.
والأخطر من ذلك أن ترك الأمور رهينة الحسابات السياسية الإسرائيلية الداخلية، ولا سيما اقتراب موعد الانتخابات، قد يؤدي إلى تجميد تنفيذ الاتفاق لأشهر طويلة. ومن المعروف أن الحكومات الإسرائيلية غالباً ما تتجنب اتخاذ قرارات حساسة قبيل الاستحقاقات الانتخابية، خشية استغلالها في المنافسة الداخلية. لكن تحويل اتفاق الإطار إلى رهينة لهذه الحسابات يعني عملياً إفراغه من مضمونه وإضاعة الزخم الذي رافق انطلاق المفاوضات.
ولا يقتصر الضرر على تعطيل الانسحابات، بل يمتد إلى إعادة الوضع في الجنوب اللبناني إلى نقطة الصفر. فالقرى الحدودية لا تزال تنتظر عودة أهلها، وإعادة الإعمار لا يمكن أن تنطلق بصورة جدية في ظل استمرار الاحتلال والخروقات العسكرية، فيما يبقى المدنيون يدفعون ثمن حالة اللااستقرار التي تطيل أمد معاناتهم.
ومن هنا، فإن أي تهاون أميركي مع المماطلة الإسرائيلية سيبعث برسالة خاطئة إلى جميع الأطراف، مفادها أن الالتزامات الواردة في الاتفاق قابلة للتأجيل أو التعليق من دون أي كلفة سياسية. وعندها، قد تفقد المفاوضات معناها، وتتراجع الثقة بخيار الحلول الدبلوماسية، لتعود لغة التصعيد والمواجهة إلى الواجهة، وهو ما لا يرغب به أحد.
لا يهم أين ستُعقد المفاوضات في واشنطن أم في روما، ولكن يبقى الأهم إتخاذ موقف أميركي أكثر حزماً، يربط استمرار العملية التفاوضية بتنفيذ إسرائيل التزاماتها ضمن جدول زمني واضح، لأن إضاعة هذه الفرصة لن تعني فقط تعثر المفاوضات، بل قد تفتح الباب مجدداً أمام دورة جديدة من التوتر والعنف، وهو ما سيبدد كل الجهود الدبلوماسية، ويهدد الاستقرار الذي يتطلع إليه اللبنانيون والمنطقة بأسرها.






