الدكتور محمد المنسي*
مما لا شك فيه أن للإسلام نظرة وفلسفة جمالية خاصة، ينفرد بها عن سائر المذاهب الفلسفية والأدبية التي عنيت بالجمال باعتباره فطرة إنسانية لا يخلو منها إنسان أو مجتمع أو حياة، لأن الجمال جزء كبير من تصميم الوجود، بل إنه العنصر الأول في تكوينه وإعداده، فأينما وجّهت بصرك أبصرت الجمال حاضرا أمام عينيك، لأن الوجود كله من صنع الله تعالى وإبداعه، والمسلم يرى الوجود في كتابيه: المقروء والمنظور وكل منهما يعرض الجمال الإلهي بطريقة مناسبة، ومن ثم يمكن القول إن الجمال أحد مقاصد الشريعة، لأن له أثرا كبيرا على البشر والحياة لذلك اعتنى القرآن الكريم به نظرا واستعمالا وانتفاعا.
وإذا كان أمر الكون قد بُني على الحالة الاصطفائية أو قانون الاصطفاء على نحو ما فصّلنا فيما سبق، فإن من مظاهر هذه الحالة وجود ما يسمّى بالاصطفاء التكليفي والمراد به التشريع الذي اصطفاه الله لخلقه واعتبره تكليفا لهم لأن به قوام حياتهم ومصدر سعادتهم.
ومن هنا كان الاصطفاء التكليفي جزءا من مقتضيات الاصطفاء الإلهي للإنسان حتى تكتمل منظومة الاصطفاء الإلهي في الوجود، إذ لم يكن اصطفاء الإنسان بالخلافة والأمانة إلّا مدعوما ومؤيّدا بالاصطفاء التكليفي.
عملية التكليف
وإذا نظرنا إلى عملية التكليف في حد ذاتها لوجدنا أنها تتضمن أربعة أطراف:
الأول: المكلِّف بكسر اللام وهو هنا الله تعالى.
الثاني المكلَّف بفتح اللام وهو هنا الإنسان.
الثالث: المكلف فيه وهو الفعل الاختياري الذي يصدر عن الإنسان بإرادته واختياره.
الرابع: التكاليف ذاتها في كافة المجالات والموضوعات التي قصد المشرّع إلى بيان حكمها والتكليف الخاص بها، مما يرجع إلى العقائد وأحوال الناس يوم القيامة ومعاملاتهم وعباداتهم وعاداتهم في الحياة الدنيا.
وعلى هذا فإن التكليف الإلهي للإنسان كما ورد في القرآن الكريم، يُعدّ من أهم سمات الجمال، ومن ثم نحتاج إلى قراءته قراءة جمالية تستشرف مواطن الجمال في القرآن وتكشف عما تضمنه واشتمل عليه من قِيَم جمالية..
وإذا أردنا أن نحدّد القِيَم الجمالية التي تأسس عليها التكليف الشرعي فإننا نشير الى القِيَم الآتية:
- قيمة الجمال.
- قيمة الرحمة.
- قيمة العدل.
- قيمة التسامح.
فكل هذه القِيَم هي التي أسّست لفلسفة الجمال في الاسلام ولذلك جعلها ابن القيم عنوانا على محاسن الشريعة ومكارمها فقال: «ان الشريعة مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد، وهي عدل كلها، ورحمة كلها، ومصالح كلها، وحكمة كلها.. فكل مسألة خرجت من العدل إلى الجور (الظلم) ومن الرحمة إلى ضدها، ومن المصلحة إلى المفسدة ومن الحكمة إلى العبث، فليست من الشريعة، وان أدخلت فيها بالتأويل».
وهذه نظرة تعتمد فلسفة الجمال في الشريعة عنصرا فاعلا مع الجمال المبثوث في أرجاء الوجود كله.
ومن أهم ملامح الجمال في القرآن الكريم، جمال الصياغة التشريعية، والمراد بالصياغة هنا اللغة التي استخدمها القرآن الكريم في توصيل الأحكام والقواعد التشريعية الضرورية لحياة البشر على الأرض، اتساقا مع الوجه الأول من وجوه الإعجاز القرآني، وهو الإعجاز اللغوي.
والمتأمل في لغة الصياغة التشريعية في القرآن الكريم يجد أنها لغة تمتزج فيها الدقة العلمية بالجمال، ولا نبالغ إذا قلنا إن الصياغة القرآنية للأحكام تنفرد بهذه الخاصية عن صياغة أي قانون بشري في أي زمان أو مكان.. إذ إن الصياغة عموما بشرية كانت أو إلهية تهدف إلى تحقيق المصالح والمنافع للأفراد والمجتمع وتحقيق الاستقرار اللازم لاستمرار المجتمع وتطوّره، لكن البون بين الصياغتين كبير، ليس فقط من حيث المضمون، وإنما أيضا من حيث الصورة والشكل.
ولمزيد من الوضوح، فإننا إذا قارنّا بين اللغة القانونية التي يكتب بها رجال القانون والتشريع، وبين لغة القرآن عموما وجدنا أن اللغة القانونية تتصف عادة بالدقة والوضوح، لكنها لا تتصف بالجمال ولا تلتفت إليه، لأنها تتجه أساسا إلى تحرّي الدقة في التعبير عن المضمون الذي يراد توصيله إلى مجموع الناس للالتزام به في حياتهم ومعاملاتهم، ولمعرفة حقوقهم وواجباتهم، لذا يكون من المنطقي أن تخلو هذه الصياغة من مظاهر الجمال اللغوي، وأن يغلب عليها الطابع الجاف واللفظي، وليس هذا تقليلا من شأن اللغة القانونية، لأن أصحابها من ذوي الخبرة في هذا المجال، وهم بحكم مهنتهم وصنعتهم، يختارون الكلمات والألفاظ التي يراد بها في المقام الأول ضبط السلوك الفردي والجماعي وتحديد الحقوق والحريات والواجبات دون الأخذ في الاعتبار فكرة الجمال والتفنن في العبارة القانونية، لانها إذا فعلت ذلك أنتجت مشكلات وأحدثت تفسيرات وتناقضات لا تخدم الهدف من الصياغة بل ولا تخدم الهدف من القانون.
الصياغة القرآنية للأحكام
أما الصياغة القرآنية للأحكام والتشريعات فحسبنا أن نقف مع نموذجين من نماذج الصياغة لنؤكد على تفرّد القرآن الكريم بمزية الجمع بين الصنعة القانونية والصنعة الجمالية:
النموذج الأول: آية الدين وهي الآية رقم ٢٨٢ من سورة البقرة، قال عنها ابن العربي: هي آية عظمى في الأحكام، مبيّنة جملا من الحلال والحرام، وهي أصل في مسائل البيوع وكثير من الفروع (وعندما نقرأ هذه الآية بتدبر، نجد أنفسنا أمام معمار قرآني عجيب، يأخذ بالعقل والقلب) حيث تتجلّى الدقة العجيبة في الصياغة القانونية، حتى ما يبدّل لفظ بلفظ، ولا تقدّم فقرة عن موضعها أو تؤخّر، وحيث لا تطغى هذه الدقة المطلقة في الصياغة القانونية على جمال التعبير وطلاوته، وحيث يرتبط التشريع بالوجدان الديني ربطا لطيف المدخل، عميق الإيحاء، قوي التأثير، دون الإخلال بترابط النص من ناحية الدلالة القانونية، وحيث يلحظ كل المؤثرات المحتملة في موقف طرفي التعاقد، وموقف الشهود والكتُّاب (بضم الكاف)، فينفي هذه المؤثرات كلها، ويحتاط لكل احتمال من احتمالاتها، وحيث لا ينتقل من نقطة إلى نقطة إلا وقد استوفى النقطة التشريعية بحيث لا يعود إليها، إلّا حيث يقع ارتباط بينها وبين نقطة جديدة يقتضي الإشارة إلى الرابطة بينهما.
النموذج الثاني: آية الميراث وهي الآية رقم ١١من سورة النساء وفيها يقول الله تعالى: {يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الانثيين، فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك وان كانت واحدة فلها النصف ولأبويه لكل واحد منهما السدس مما ترك، ان كان له ولد فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه فلأمه الثلث، فإن كان له إخوة فلأمه السدس من بعد وصية يوصي بها أو دين آباؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا، فريضة من الله، ان الله كان عليما حكيما}، آية واحدة تضمنت عدة أحكام هي:
- الولد يأخذ في الميراث ضعف البنت.
- البنت ترث مع الولد بالتعصيب لا بالفرض.
وترث بالفرض عند عدم وجود ولد معها.
- تأخذ البنت فرض النصف إذا كانت واحدة والثلثين إذا كان معها واحدة أو أكثر.
- لكل من الأبوين فرض السدس ان وجد الفرع الوارث معهما.
أما إذا لم يوجد الفرع الوارث فإن الأب يرث بالتعصيب لا بالفرض، وتأخذ الأم الثلث إلّا ان وجد معها عدد من الإخوة فينزل نصيبها مرة أخرى إلى السدس، وفي هذا كله لا يستحق الورثة التركة إلّا بعد الوفاء بالديون وتنفيذ الوصايا.
وعلى هذا نتساءل:
كيف كشفت الآية عن منهج الصياغة القرآني للأحكام؟
نلاحظ ما يأتي:
الآية لم تغفل مخاطبة عاطفة المتلقّي في بدايتها (يوصيكم الله) وفي نهايتها (فريضة من الله)، تركت الاحتمالات العقلية والواقعية لأحوال الميراث والتقنين لها إلى الجمل القصيرة المترابطة فيما بينها للتعبير عن نظام بالغ الدقة والتعقيد وهو نظام الميراث..
ولتأكيد هذه السمة في التشريع القرآني نقارن بين الآية ومواد قانون الميراث المصري التي حدّدت هذه الأنصبة، وسوف نجد أن لغة القانون جاءت جافة الأسلوب، لأنها خاطبت عقل المتلقّي وليس عاطفته البشرية أو الدينية، وهذا أمر مفهوم في إطار التشريع الإنساني أو ما يطلق عليه الوضعي.
ومثل هذا الأسلوب الذي انتهجه القرآن الكريم في عرض الأحكام أو التكاليف الإلهية لا يخلو من فوائد تتعلق بأسلوب التشريع من ناحية ومقاصد هذا الأسلوب وغاياته من ناحية أخرى وهذا كله يصبّ في خانة تطوّر أو تطوير الصياغة القانونية لتحقيق مزيد من العدالة القائمة على حسن الفهم وحسن التطبيق..
جمال الوضوح والبيان
الوضوح المقصود هنا هو أن يكون النص التكليفي (التشريعي) الذي يتضمن حكما تكليفيا (تشريعيا) في غاية الوضوح والبيان، بعيدا عن الغموض والإبهام والالتباس، إذ ما جاءت الأحكام إلّا للعمل بها، والعمل بها يقتضي أن تكون واضحة، ويقوي ذلك ما قرّره الشاطبي في الموافقات من أنه قد ثبت، في الأصول (قواعد العلم) ان شرط التكليف أو سببه، القدرة على المكلف به، فما لا قدرة للمكلف عليه لا يصح التكليف به شرعا) 2/72.
وعلى ذلك تكون سمة الوضوح أمرا مطلوبا في كل قانون، بغض النظر عن مصدره سماويا كان أو أرضيا، لأن التشريع الغامض لا يقبل الناس عليه، فضلا عن أن يلتزموا به فعلا أو تركا...
لكننا نلاحظ أن (الوضوح) بالنسبة للقانون الإلهي ليس هو الوضوح العادي الذي يدركه البشر عندما يقرأون النصوص القانونية، ولكنه الوضوح الممتزج بالجمال، حيث توضع الأحكام في تراكيب جمالية غير معهودة في النصوص القانونية الوضعية، وينعكس هذا الجمال على طبيعة الحكم الشرعي وذلك راجع إلى أن الأحكام التكليفية وضعت داخل منظومة جمالية صاغتها يد القدرة الربانية فأحسنت وأبدعت بخلاف النصوص الإنسانية، ولنأخذ على سبيل المثال نموذجين من القرآن الكريم
النموذج الأول: قوله تعالى {وأحلّ الله البيع وحرّم الربا} فالآية واضحة تماما في أن كل بيع حلال وكل ربا حرام، بغض النظر عن المقصود بلفظة الربا، فالنظر هنا إلى الحكم وليس المحكوم فيه، لأن هذا المعنى يتبادر فهمه من لفظتي: أحلّ وحرّم، من غير حاجة إلى السؤال والاستفسار عن المراد منهما..
النموذج الثاني: قوله تعالى {ولكم نصف ما ترك أزواجكم إن لم يكن لهن ولد، فإن كان لهن ولد فلكم الربع} فقد تضمنت الآية العناصر الآتية:
وفاة زوجة ووجود تركة.
ووجود زوج ووجود أو عدم وجود أولاد للزوجة المتوفية، من الزوج الحي أو من غيره.
ومن ثم جاء الحكم في غاية الوضوح على النحو الآتي:
يستحق الزوج نصف تركة الزوجة إذا لم يكن لها أولاد منه أو من غيره.
أو يستحق ربع التركة إذا كان لها أولاد.
ومن المهم الإشارة إلى أن الآية تتمتع بالأحكام في الصياغة حيث لا يقوم أي تعبير اخر مقام هذا التعبير الإلهي المحكم، كما تتمتع بالوضوح في المعنى حيث سلم من الالتباس مع غيره من الأحكام.
النموذج الثالث: قوله تعالى: {والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة}.
فهذه الآية تتحدث عن الذين يرمون النساء العفيفات بالتهمة، ولم يستطيعوا إثبات التهمة، ومن ثم تحدد الآية العقوبة المناسبة لهم.
لكن هناك في الأحكام التكليفية نصوص يختلط فيها ما هو غير واضح بما هو واضح فما الحكمة في ذلك؟
الحكمة تبدو لنا من خلال ما قدمه الشاطبي في الموافقات على النحو الآتي:
أولا: الشريعة قد اشتملت على ما تعرفه العرب عامة، وما يعرفه العلماء خاصة، وما لا يعلمه إلّا الله تعالى وذلك المتشابهات، فهي (أي الشريعة) شاملة لما يوصل إلى فهمه على الاطلاق، وما لا يوصل إليه على الاطلاق، وما يصل إليه البعض دون البعض.
ثانيا: ان الله تعالى جعل أهل الشريعة على مراتب ليسوا فيها على وزان (مقدار) واحد، ورفع بعضهم فوق بعض، كما أنهم في الدنيا كذلك، فليس من له مزيد في فهم الشريعة كمن لا مزيد له، لكن الجميع جار (متبع وملتزم) على أمر مشترك وهو (الفهم ) والاختصاصات فيها هبات من الله، لا تخرج أهلها عن حكم الاشتراك، بل يدخلون مع غيرهم فيها، ويمتازون هم بزيادات في ذلك الأمر المشترك بعينه.
ثالثا: ان ما فيه التفاوت في إدراك المعنى المراد إنما تجده في الغالب في الأمور المطلقة في الشريعة التي لم يوضع لها حد يوقف عنده ، بل وكّلت (تركت) إلى نظر المكلف، فصار كل أحد فيها مطلوبا (مطالبا) بإدراكه، فمن مدرك فيها أمرا قريبا فهو المطلوب منه، ومن مدرك فيها أمرا فهو فوق الأول (أعمق وأقوى) فهو المطلوب منه، مثل تقدير النفقة وقِيَم المتلفات (الأشياء التي تلفت) وغير ذلك ، مما يتأثر بظروف المكلفين، ومعنى كلام الشاطبي ان كل مكلف يختار من الأعمال، المطلوبة شرعا، ما يقدر على القيام به حسب ما انتهى إليه فهمه وإدراكه بنفسه أو بغيره.. لا يكلف إلّا ذلك..
* أستاذ الشريعة في جامعة القاهرة