استعرضنا في الجزء الأول لحظة التأسيس وجغرافيا الخوف والأمل التي أحاطت ببيروت 1878. أما في هذا الجزء الثاني، فنتوقف عند أشجع القرارات التي اتخذها المؤسّسون الأربعة والعشرون: الرهان على «نون النسوة»، أي البدء برحلة البناء من تعليم الفتاة وليس من تعليم الفتى...
• الفتاة أوّلاً: زلزال في الوعي الجمعي البيروتي
لم تكن المفاجأة الكبرى لتأسيس «المقاصد» عام 1878 تكمن فقط في شمولية أهدافها، بل في «جرأتها الاجتماعية» التي سبقت عصرها بعقود. وسط مناخ التحفّظ السائد، اتخذ مؤسّسو المقاصد قراراً تاريخياً: البداية لن تكون من مدارس الذكور، بل من مدرسة البنات.
أدرك هؤلاء الرجال بعمق سوسيولوجي مذهل أن بناء المجتمع لا يكتمل إلّا ببناء «المربّي الأول». وقد عبّر عن هذه الرؤية السيد حسن بيهم في جملته التي خلّدها الأرشيف: «إن لا أمة بلا رجال، ولا رجال بلا عائلة، ولا عائلة بلا مربٍّ، وهذا المربّي هو الأم، التي إن لم تكن متعلمة وهي صبية، لا يمكنها أن تربي أولادها».
وقد نصّ بيان «الفجر الصادق» صراحةً على هذه الفلسفة: «فأخذنا في أول الأمر نبحث عن الأشدّ لزوماً لطائفتنا فوجدنا أن أحسن وسيلة لنشر المعارف هو تعليم الإناث منها طرق التربية وما يحتجن إليه من العلوم والصنائع، إذ هنَ المربيات الأول وعلى تقدمهن المعول».
• صراع الهوية: مدارس الإرساليات وتحدّي «التغريب»
لم يكن دافع تعليم الفتيات لدى مؤسّسي المقاصد تعليمياً بحتاً، بل كان دافعاً «وجودياً» مركّباً. فمنذ منتصف القرن التاسع عشر، سبقت الإرساليات الأجنبية الجميعَ في افتتاح مدارس للإناث؛ إذ أسّست السيدة سارة سمث، زوجة الدكتور عالي سمث أحد مترجمي التوراة إلى العربية، أول مدرسة نظامية مستقلة للبنات في بيروت عام 1835م، عُرفت بـ«مدرسة بيروت للإناث»، وكان عدد تلميذاتها أربعين بنتاً عند التأسيس.
أمام هذا الواقع، كان الخوف من «تغريب» الفتاة المسلمة هو القلق الأكبر لرجالات المقاصد. رأوا بوضوح أن ترك الساحة التعليمية للإرساليات يعني تسليم عقول «أمهات المستقبل» لثقافات وافدة لا تتقاطع مع الموروث القيمي المحلي.
ومن هنا، لم تكن مدرسة المقاصد للبنات مجرد مبنى تعليمي، بل «الملاذ الآمن» الذي يقدّم العلم الحديث مغلّفاً بالقيم الإسلامية والتقاليد البيروتية الأصيلة. أرادت المقاصد أن تصنع «امرأة متعلمة ومسلمة وبيروتية» في آن واحد.
• يوم الافتتاح التاريخي: 20 تشرين الأول 1878
يسجّل التاريخ المقاصدي يوم الثلاثاء 20 تشرين الأول 1878م، الموافق 5 شوال 1295هـ، حين فُتحت أبواب «مدرسة البنات الابتدائية الأولى» في بيت مستأجر في حيّ «الباشورة»، وبالتحديد في بيت قريعة، قبل أن تنتقل المدرسة بعد فترة يسيرة إلى دار الحاج محمد بيضون في المنطقة ذاتها.
وصفت جريدة «ثمرات الفنون» الحدث في عددها المؤرَّخ 12 ذي القعدة 1295هـ بكلمات تعكس حجم الحماس الشعبي. وفي غضون أسبوع واحد فقط من الافتتاح، سجّلت جريدة «لسان الحال» في عددها الصادر 28 تشرين الأول 1878 خبراً مذهلاً: التحاق 150 تلميذة بالمدرسة الوليدة، وهو رقم يعكس «العطش الاجتماعي» للعلم الذي كان يختمر في الأسر البيروتية طويلاً.
• المواجهة مع «التقليد»: صلابة القباني ورفاقه
لم يمرّ هذا القرار الثوري دون مقاومة. واجهت فكرة تعليم الفتيات معارضة من بعض العلماء والمشايخ الذين توجّسوا من «البدعة» التعليمية، وتساءلوا عن مدى ملاءمة خروج الفتاة من دائرة «الكتّاب» التقليدي إلى فضاء المدرسة المنهجية.
هنا برزت الشخصية القيادية للشيخ عبد القادر قباني الذي واجه الحجة بالحجة من صميم الموروث الإسلامي، مستشهداً بتاريخ الإسلام الزاخر بعالمات ومحدِّثات. وقد خلّد الأرشيف جملته التاريخية التي تلخّص مشروع العمر: «إن سمحتم لي بتحسين التربية، ألزمتُ نفسي لكم بإصلاح أحوال العالم بأسره».
وقد تمكّنت الجمعية من تجاوز هذه المعارضة بآلية ذكية؛ إذ ضمّنت المنهجَ موادَّ دينية وأشغالاً يدوية تطمئن بها الأسر التقليدية، دون أن تتخلى عن جوهر المشروع التعليمي الحداثي.
• المنهج التعليمي: ذكاء الموازنة بين «القلم» و«التدبير»
كان المنهج المقاصدي الأول في مدرسة البنات انعكاساً للذكاء الاجتماعي للمؤسسين. اشتمل على:
- القراءة والكتابة والحساب: الأسس الأكاديمية الضرورية.
- التعليم الديني: القرآن الكريم والتربية الإسلامية.
- اللغة العربية: لغة الهوية والموروث الحضاري.
- اللغة التركية: لغة الإدارة العثمانية آنذاك.
- اللغة الفرنسية: لغة العلم والتواصل الدولي.
- أشغال اليد والتدبير المنزلي: الذراع الاجتماعي للمشروع.
هذا المزيج لم يكن اعتباطياً بل كان تكتيكاً تربوياً واجتماعياً محكماً. أريد لـ«أشغال اليد» أن تطمئن الأسر التقليدية بأن المدرسة لا تقتلع الفتاة من جذور دورها الأسري، فيما كانت اللغات الثلاث تفتح أمامها نوافذ المعرفة الواسعة.
وقد أثّرت هذه التجربة البيروتية في المناهج التعليمية لمدارس المقاصد الذكورية لاحقاً، وتتقاطع في روحها مع ما دعا إليه محمد عبده من العمل على التوفيق بين التراث والتجديد وتفعيل دور التربية في زرع بذور التنشئة الصالحة.
• التوسّع السريع: من «الباشورة» إلى أوقاف بيروت
- المدرسة الثانية وتراكم الزخم:
بسبب الإقبال الهائل الذي تجاوز توقّعات حتى المتحمّسين للمشروع، بدأت الجمعية في غضون أشهر التفكير في إنشاء مدرسة ثانية للإناث. وقد تداعى أعضاء الجمعية ووجهاء الطائفة فجمعوا التبرّعات الكافية لافتتاح «مدرسة البنات الابتدائية الثانية» في السادس من حزيران 1879م، في سوق المنجدين (الذي صار يُعرف لاحقاً بشارع المصارف) في دار آل البربير، بإيجار سنوي قدره 2500 قرش. وأُسندت إدارتها إلى الآنسة هاجر المير بمعاونة خمس معلمات ومدرّس للدين هو الشيخ سلامة، وانتسب إليها عند الافتتاح 200 تلميذة.
وقد قدّمت اللجنة الاستشارية برئاسة عبد الله أفندي جمال الدين تقريراً تاريخياً يطالب السلطات المحلية بدعم بناء مدارس جديدة، وهو مؤشّر على أن الجمعية الفتية كانت تفكّر بأفق المؤسسة لا بأفق المبادرة الخيرية العابرة.
- «كلية البنات»: تاج المسيرة النسائية:
في السادس عشر من كانون الأول 1879م، أي بعد نحو عام واحد من افتتاح المدرسة الأولى، توّجت الجمعية مسيرتها النسائية بافتتاح «كلية البنات» في منطقة الباشورة، وهي الصرح الذي حمل لاحقاً «مجلة غرس وشمس» التي أصدرتها لطالباتها لنشر نتاجهنّ العلمي والأدبي (صدر عددها الأول عام 1956)، كما أنشأت فيها «جمعية نهضة الفتاة العربية بكلية البنات»، محوّلةً الفتاة من متلقّية للعلم إلى صانعة للثقافة.
- الامتداد الجغرافي:
لم يتوقف التوسّع عند حدود حيّ الباشورة؛ فقد امتدّ المشروع إلى أحياء بيروت المتعددة من «زقاق البلاط» إلى «رأس النبع» و«المصيطبة»، ثم انتقل إلى خارج العاصمة ليشمل صيدا والنبطية وطرابلس وعكّار والبقاع. وعبر الحدود، وصل صدى المقاصد إلى القدس وحيفا ودمشق وحلب، فغدت «الشركة الأم» للنهضة النسائية الإسلامية في المشرق العربي.
• شهادة الأرقام: قصة نجاح قابلة للقياس
تكشف بيانات الجمعية عن أرقام لافتة تُجسّد ملموسيةَ نجاح المشروع:
- 1878: 150 تلميذة في الأسبوع الأول من المدرسة الأولى.
- 1879: 200 تلميذة في المدرسة الثانية عند افتتاحها.
- رواتب هيئة التدريس الأولى (أيار - تشرين الثاني 1879): 2403 قروش، وقيمة التجهيزات 2936 قرشاً - أرقام نُشرت كاملةً في «ثمرات الفنون» للتأكيد على الشفافية.
- 1920: تأسيس مدرسة فاطمة الزهراء في رأس النبع.
- 1956: إصدار مجلة «غرس وشمس» للطالبات.
- 2026: انتخاب أول رئيسة لجمعية المقاصد في تاريخها.
• من مقعد الدراسة إلى كرسي الرئاسة: دائرة تاريخية مكتملة
آمنت المقاصد بالمرأة بوصفها «مربّية» في القرن التاسع عشر، وها هي اليوم تتوّجها «قائدة» وصانعة قرار في القرن الحادي والعشرين.
حين فتحت الجمعية مدرستها الأولى للبنات في تشرين الأول 1878، لم تكن تعلم أنها تضع بذرةً ستثمر في 2026 رئيسةً تقود أعرق المؤسسات البيروتية. إنها ليست مصادفة تاريخية، بل هي المنطق العضوي لمؤسسة بنت نفسها على قناعة أن تحرير العقل البشري لا يعرف تمييزاً بين جنس وجنس.
إن حكاية تعليم الفتيات في المقاصد هي حكاية وفاء ثلاثي الأبعاد: وفاء المؤسّسين لرسالة التنوير، ووفاء الأجيال لإرث المؤسّسين، ووفاء بيروت لجمعيتها التي لم تخذلها في زمن المحن. لقد أثبتت المقاصد عبر «نون النسوة» أنها «عقد اجتماعي» بين المدينة ومستقبلها، وأن كل استثمار في عقل الإنسان هو استثمار في الزمن بأكمله.
واليوم، ونحن نعيش عصر الرقمنة والذكاء الاصطناعي، تظل المقاصد متمسّكة بذات المبدأ المؤسِّس: «الأم المتعلمة عماد الأمة».
- يتبع في الجزء الثالث: مدارس الذكور وبناء النخبة.. عندما وضع «مدحت باشا» حجر الأساس لرجال الدولة