أصدرت مؤسسة القدس الدولية تقريرها السنوي التاسع عشر «عين على الأقصى» الذي يرصد أبرز الاعتداءات على المسجد الأقصى من 1/1/2025 إلى 31/7/2025، والتقرير مكوّن من ثلاثة فصول تتناول تطور فكرة الوجود اليهودي في المسجد، و المشاريع التهويدية في المسجد ومحيطه، وتحقيق الوجود اليهودي فيه، كما يستشرف المآلات المستقبلية ومخططات التهويد التي يعدّها الاحتلال للأقصى ويختم بتوصيات للجهات الفاعلة حول دورها لحماية الأقصى وصد مخططات التقسيم.
وكشف التقرير عن تطورات خطيرة تتعلق بمخططات الاحتلال تجاه الأقصى، حيث شكّلت حكومة اليمين المتطرف، والصهيونية الدينية، والمتشدِّدين بقيادة نتنياهو غطاء لشتَّى أصناف الاعتداءات التي شنَّتها أذرع الاحتلال على المسجد الأقصى، فيما تصدَّر وزير الأمن القوميِّ المتطرِّف إيتمار بن غفير قائمة المسؤولين والوزراء الذين لم يكتفوا بتقديم أوسع التَّسهيلات للمستوطنين و«منظمات المعبد» ليكثِّفوا عدوانهم على الأقصى، بل شاركوا مباشرة في هذا العدوان.
المستوطنون يحققون إنجازات قياسية في الاقتحامات
أسفرت سياسات المستويَيْن السياسي والأمني العدوانيَّة تجاه المسجد الأقصى عن نجاح المستوطنين بتسجيل «إنجازات» قياسيَّة؛ فقد نجحوا في إدخال قربان حيوانيٍّ وخبز «قربان الحصاد» إلى المسجد الأقصى، وهي اعتداءات شكَّلت سوابق لم يشهد لها المسجد الأقصى مثيلاً منذ احتلاله عام 1967.
إضافة إلى ذلك، رصد التقرير أعلى رقم لمقتحمي المسجد الأقصى مقارنة بمثيلاتها في السنوات السابقة، وشهدت بعض الأعياد والمناسبات اليهودية أعداد مقتحمين غير مسبوقة، وخاصة في «عيد الفصح» العبري، وذكرى احتلال الشطر الشرقي من القدس، وقد وصل مجموع المقتحمين إلى 38,875، بزيادة 36% عن العام الماضي.
وأدّى التيار الديني الصهيوني دوراً محورياً في فرض أجندة تهويد الأقصى عبر تحالف «الصهيونية الدينية» و«القوة اليهودية»، ومنح بن غفير الدعم والتسهيلات لجماعات «المعبد» لأداء الطقوس اليهودية والاحتفالات العلنية داخل الأقصى.
وتصاعد الخطاب السياسي الإسرائيلي حدّةً مع توقيع 17 وزيراً وبرلمانياً وشخصيات سياسية أخرى رسالةً للكونغرس الأميركي تطالب بالاعتراف بما سمّوه «الحق الأبدي لليهود» في الأقصى، فيما ألقى رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو خطاباً أمام جمع من حاخامات تيار «الصهيونية الدينية» وقادته، تضمن وعداً وتحريضاً للحضور ليقتحموا المسجد الأقصى.
قال التقرير إن شرطة الاحتلال تحوّلت إلى الذراع التنفيذية لفرض السيادة الإسرائيلية على المسجد الأقصى، فوفّرت الحماية الكاملة للمقتحمين وفتحت الطريق أمامهم لأداء الطقوس اليهودية وإدخال أدواتها، وسهّلت إقامة حفلات الزواج والبلوغ والرقص والغناء داخل باحات المسجد، ومدّدت أوقات الاقتحامات ورفعت أعداد أفواج المقتحمين.
وفي المقابل، صعّدت الشرطة قمعها للمصلين وحراس الأقصى، فمنعت الاعتكاف واعتقلت المصلين وأبعدتهم، وفرضت قيوداً عمرية مشدّدة على الدخول إلى المسجد الأقصى، وأغلقت الأقصى إبَّان الحرب التي شنّها الاحتلال على إيران، في حين أبقت ساحة البراق مفتوحة على مدار الساعة أمام المستوطنين.
ورصد التقرير محاولات حثيثة من «جماعات المعبد» لتجاوز الفتاوى الحاخامية التي تحرّم اقتحام الأقصى من دون طهارة، عبر فرض وقائع ميدانية داخل المسجد. وفي هذا السياق، أصدر حاخامات متطرفون فتوى تجيز لنساء المستوطنين، عازباتٍ ومتزوجات، دخول الأقصى بعد أداء طقوس «التطهير».
وبقيت أسطورة «البقرة الحمراء» حاضرة في المشهد، إذ جرى في تموز 2025 تدريب عملي على طقوسها باستخدام بقرة حقيقية (غير حمراء).
وصعّدت «جماعات المعبد» تحريضها الدعائي والإعلامي لإدخال القرابين الحيوانية إلى الأقصى، ونشرت «جماعات المعبد» مقاطع تظهر تفجير الأقصى وإحراقه، وتدعو إلى تنفيذ طقوس القربان داخل الأقصى، وتطالب بالسماح باقتحام الأقصى بلا قيود، كما نشرت هذه الجماعات إعلانات عن جداول الاقتحامات، وجولات استباحة الأقصى وبثِّ الروايات اليهودية المكذوبة.
الأقصى من مقدّس إسلامي خالص إلى مكان مشترك بين المسلمين واليهود
وجد تقرير «عين على الأقصى» أن الاحتلال عزّز خطواته في فرض التقسيم الزماني بين المسلمين والمستوطنين، حيث بات للمسلمين أوقات محدودة للصلاة، فيما خُصّصت أوقات كاملة للمقتحمين اليهود تحت حماية شرطة الاحتلال. ولفت إلى استمرار الأطماع بالسيطرة على المنطقة الشرقية من المسجد في محيط مصلى باب الرحمة، مع تكثيف الطقوس التوراتية هناك، بما يعكس محاولات فعلية لبناء كنيس داخل الأقصى.
ووفق التقرير، لم يكتفِ الاحتلال بالاقتحامات والطقوس الرمزية، بل تجاوز ذلك إلى تنظيم حفلات ورقص وغناء ورفع الأعلام في ساحاته، فضلاً عن إدخال أدوات طقوس يهودية، وصولاً إلى تقديم قرابين حيوانية، فيما باتت الهوية الإسلامية للأقصى مهدّدة بالذوبان لصالح هوية يهودية مصطنعة، قد تفرض في المستقبل دخول المسلمين كزوار يدفعون رسوماً للاحتلال.
المشاريع التهويدية في الأقصى ومحيطه
رصد تقرير «عين على الأقصى» استمرار المشاريع التهويدية التي تهدّد المسجد الأقصى، والتي تهدف إلى إعادة تشكيل الفضاء البصري والرمزي للقدس بما يخدم رواية «المعبد».
ونفذت هذه المشاريع داخل الأقصى نفسه، مثل تركيب ألواح حديدية على البائكة الجنوبية وتنفيذ عمليات حفر في رباط الكرد بالسور الغربي، إضافة إلى مشاريع محيطة بالمسجد، أبرزها مشروع المصعد الكهربائي المعروف بـ«مصعد كوتيل»، وتحويل بناية سكنية فلسطينية إلى كنيس يهودي. وامتدت المشاريع التهويدية إلى محيط البلدة القديمة، وشملت مشروع «وادي السيليكون»، ومركز «زوار جبل الزيتون» على سفح الجبل، ومشروع «القطار الخفيف».
وتركّزت الحفريات في الجهة الغربية من الأقصى في ساحة البراق، حيث أعلنت «مؤسسة تراث الحائط الغربي» عن بدء أعمال صيانة وترميم في ساحة البراق، زاعمةً أن هذه الأعمال تندرج ضمن مشروع «التطوير والتحديث»، وتشمل تعزيز الهياكل وتثبيت البنية التحتية، بحجة «تحسين تجربة الزوار والمصلين» وضمان «سلامة المقيمين في الموقع»، كما أعلنت المؤسسة نفسها عن انطلاق أعمال ترميم في أنفاق الحائط الغربي.
المآلات
في أبرز المآلات، توقع التقرير أن تبذل أذرع الاحتلال التهويدية مزيداً من المساعي لرفع أعداد المستوطنين المُقتحمين للمسجد الأقصى بالاستفادة من تصاعد موقع «المعبد» في الخطاب السياسي والشعبي لدى جمهور الاحتلال، ومحاولة «الصهيونية الدينية» خاصة واليمين المتطرف بشكلٍ عام، تحقيق مزيد من «الإنجازات» على أرض الواقع، وأن تسعى إلى الاستفادة من حالة «الانتصار» التي سوّقتها «منظمات المعبد» وداعموها من السياسيين الإسرائيليين، في سياق فرض مزيد من الوقائع داخل الأقصى.
وبناء على التنسيق الدائم ما بين مستويات الاحتلال المختلفة، وخاصة ما بين «منظمات المعبد» والمستويين الأمني والسياسي، رأى التقرير أن «جماعات المعبد» ستسعى إلى تصعيد السيطرة الإسرائيلية على الأقصى، والمطالبة بفرض مزيد من التحكّم بالمسجد الأقصى وأبوابه، ومنحها المزيد من الصلاحيات في ساحات الأقصى، مستفيدة من قرارات بن غفير في عام 2025، وخاصة السماح بالرقص والغناء.
كما استشرف خطراً متصاعداً في البُعد القانوني والدولي، إذ تتجه أذرع الاحتلال إلى «شرعنة» الطقوس اليهودية داخل الأقصى بوصفها «حقاً دينياً»، بالتوازي مع محاولات الحصول على اعتراف من مؤسسات دولية مثل الكونغرس الأميركي، والعمل على الحصول على المزيد من الاعترافات بـ «الحق الأبدي لليهود في جبل المعبد».
وقدّم التقرير جملة من التوصيات التي من شأنها فتح مجالات للعمل الجاد نصرة للقدس والأقصى وغزة، التي تشكّل الحد الأدنى اللازم لصدّ مخططات الاحتلال ومنعه من استكمال مخططات الإبادة والتهويد وتحويلها إلى أمر واقع.