السيرة التاريخية والسيادية لمطار القليعات (3/3)
لم يقتصر دور مطار القليعات على كونه قاعدة عسكرية لحماية السيادة الوطنية في أوقات السلم، بل تحوّل في أوقات الأزمات الكبرى إلى شريان حياة جغرافي ومحج ميثاقي صِيغت فيه ملامح الجمهورية اللبنانية الثانية. ومع اندلاع الحروب والاضطرابات وتشرذم المؤسسات أواخر القرن الماضي، فرضت الحاجة اللوجستية والسياسية تحويل هذا المرفق العسكري إلى مطار مدني مؤقت كسر العزلة عن الشمال، وشهد ولادة وثيقة الوفاق الوطني (اتفاق الطائف) وانتخاب رئيس للبلاد. وفي هذه الحلقة الختامية، نستعرض التحوّلات المدنية والسياسية للمطار، ونحلل أبعاد حدث اليوم التاريخي المتمثل بإطلاق ورشة تأهيله وتشغيله برعاية رئيس محكمة العدل الدولية القاضي الدكتور نواف سلام، ليتحوّل من مدرج معطّل إلى أمر واقع سيادي تفرضه متطلبات الأمن القومي اللبناني.
• شريان مدني وسط النيران: حقبة رحلات «الميدل إيست» (1988 - 1991)
مع اشتداد ضراوة حرب الشوارع وأزمة المعارك الضارية في العاصمة بيروت ومحيطها أواخر الثمانينيات، تداعت ركائز البنية التحتية للمواصلات، وتعرض مطار رفيق الحريري الدولي (مطار بيروت الدولي سابقاً) للإغلاق المتكرر والشلل التام جراء الوقوع تحت خطوط التماس واستهدافه بالقصف المدفعي المباشر. هذا الواقع المأساوي هدد بقطع صلة وصل لبنان بالعالم الخارجي كلياً، وعزل المحافظات والمناطق اللبنانية بعضها عن بعض، مما أنذر بكارثة إنسانية واقتصادية غير مسبوقة.
في ظل هذه الظروف الاستثنائية القاسية والمصيرية، اتخذت إدارة شركة طيران الشرق الأوسط، بالتنسيق والتعاون اللوجستي الوثيق مع السلطات الرسمية المختصة والقيادة العسكرية للقوات الجوية، قراراً استراتيجياً جريئاً قضى بتحويل جزء حيوي من «قاعدة القليعات الجوية» العسكرية في عكار إلى مطار مدني تجاري مؤقت؛ والهدف الأساسي كان تأمين حركة نقل الركاب والمدنيين والمغتربين من شمال لبنان وإليه، وتوفير نافذة أمان بديلة للبلاد.
دشنت الشركة هذه الحقبة الاستثنائية والمجيدة الممتدة بين عامي 1988 و1991 بتسيير رحلات داخلية وتجارية منتظمة ومجدولة. ولم يكن هذا التشغيل مقتصراً على الطائرات الصغيرة، بل شهد مدرج المطار هبوط وإقلاع الطائرات النفاثة الكبيرة والعملاقة من طراز بوينغ 720 وبوينغ 707 التابعة للأسطول الوطني. وامتازت هذه الحقبة بحركة ملاحة مدنية وإدارية كثيفة لافتة للانتباه؛ إذ تشير وثائق الإحصاءات الرسمية المسجلة في تلك الفترة إلى أن المطار كان يستقبل ويغادر عبر بواباته قرابة 300 راكب يومياً كمتوسط عام، فضلاً عن أطنان الشحن الطبي والتمويني الضروري.
لقد أمنت هذه الرحلات الجوية المدنية السريعة ربطاً جغرافياً وإنسانياً مباشراً بين العاصمة المحاصرة ومحافظتي الشمال وعكار، وساهمت في تسهيل حركة المسافرين والتجار وعائلات المغتربين بأسعار تذاكر مدروسة ومحفزة تتناسب مع حدة الأزمة الاقتصادية والنقدية الصعبة السائدة حينها. واللافت هنا، أن التجربة العملية والتشغيلية الميدانية في تلك السنوات الثلاث أثبتت الكفاءة اللوجستية العالية والميزات الجغرافية الطبيعية والمناخية الفريدة لسهل عكار؛ حيث لم تسجل أي حادثة اصطدام، أو عائق جوي، أو تعطل في الرؤية يمنع الطائرات المدنية الضخمة من الهبوط السلس والمقاربة الدقيقة في أحلك الظروف الأمنية والطقسية، مما رسخ في الوجدان التقني والسياسي اللبناني حتمية وإمكانية تحويل هذا المرفق التكتيكي إلى مطار دولي رديف ودائم للدولة اللبنانية.
• هنا وُلد الطائف: رمزية الدستور وتسمية المطار (1989)
إلى جانب دوره اللوجستي والمدني الحيوي في زمن الحرب، دخل مطار القليعات التاريخ الدستوري والسياسي الحديث للجمهورية اللبنانية من أوسع وأشرف أبوابه في تشرين الثاني من العام 1989؛ ليتحوّل من مجرد منشأة طيران حربية معزولة، إلى رمز صارخ وجامع لولادة الشرعية الدستورية المفقودة، وإعادة لم شمل الدولة وتوحيد مؤسساتها الرسمية المفككة بعد سنوات طويلة من الانقسام البنيوي الحاد والحروب العبثية المدمرة.
ففي أعقاب عودة النواب اللبنانيين من مدينة الطائف في المملكة العربية السعودية، حاملين معهم «وثيقة الوفاق الوطني» التاريخية التي وضعت حدّاً للحرب الأهلية، دعت الحاجة الأمنية والسياسية الحرجة والخطيرة جداً في البلاد إلى اختيار مكان بالغ الأمان، والحياد، والرمزية الجغرافية واللوجستية لعقد جلسة نيابية مصيرية وتاريخية عاجلة ومحمية بعيداً عن محاور القتال والتهديدات العسكرية المعقدة في العاصمة.
وقع الاختيار فوراً بإجماع القوى الشرعية على مطار القليعات في الشمال؛ حيث هبطت طائرات النواب بسلام فوق مدرجه المحمي جغرافياً وعسكرياً، وتحولت قاعة المطار الإدارية الأساسية وقاعات الشرف فيه إلى مقر رسمي مؤقت للمجلس النيابي اللبناني برئاسة رئيس مجلس النواب السيد حسين الحسيني. وفي 5 تشرين الثاني 1989، احتضن المطار تلك الجلسة التاريخية الشهيرة التي أسست للبنان الحديث وشهدت إنجازين تاريخيين:
- أولاً: الإقرار والمصادقة الرسمية والنهائية على وثيقة الوفاق الوطني (اتفاق الطائف) التي وضعت القواعد الدستورية الجديدة للسلم الأهلي المعاصر ومفهوم الشراكة والعيش المشترك.
- ثانياً: انتخاب الرئيس رينيه معوض رئيساً للجمهورية اللبنانية، كأول رئيس شرعي توافقي جامع للبلاد بعد إنهاء الحقبة العسكرية الانتقالية، وسط أجواء من الأمل الوطني العارم.
وعقب استشهاد الرئيس رينيه معوض في 22 تشرين الثاني 1989 إثر عملية اغتيال آثمة وغادرة استهدفت موكبه في بيروت، وتكريماً لذكراه الوطنية الخالدة، وارتباط اسمه التاريخي باللحظة التأسيسية الأولى لولادة الجمهورية الثانية فوق أرض سهل عكار، أصدرت الدولة اللبنانية مرسوماً رسمياً قضى بتعديل تسمية هذا المرفق الحيوي ليصبح اسمه المعتمد «مطار الرئيس الشهيد رينيه معوض»، ليرتبط هذا المعلم الجوي والسيادي برمزية كيانية عميقة وتضحية وطنية كبرى تتجاوز أبعاده الجغرافية والإنشائية المحدودة.
• الأفق المعاصر: ورشة التفعيل والأمر الواقع السيادي (2026)
على مدار العقود الثلاثة الماضية، ظلت كافة خطط التشغيل، والإنعاش الاقتصادي، والمشاريع الاستثمارية المخصصة لمطار القليعات معطلة ومجمدة في أدراج الحكومات المتعاقبة، بفعل العوائق السياسية المحلية، والتجاذبات الإقليمية، وغياب القرار التوافي الحاسم، والاعتبارات الضيقة المرتبطة باحتكار الأجواء والمرافق المركزية؛ وذلك على الرغم من وجود عشرات دراسات الجدوى الفنية، والتجارية، والهندسية المستفيضة التي أعدتها مكاتب استشارية عالمية، وأكدت ريادته وقدرته على التحول إلى مركز إقليمي ضخم للشحن الجوي وصيانة الطائرات في شرق المتوسط.
إلّا أن التحوّلات الراهنة والتطورات الجيوسياسية المتسارعة في عام 2026 أعادت فرض مطار القليعات بقوة، وجعلته على رأس جدول أعمال الدولة والأمن القومي اللبناني كخيار استراتيجي لا بديل عنه. ففي ظل الأخطار الوجودية والتهديدات الأمنية والعسكرية المباشرة التي تطوق العاصمة بيروت ومحيطها، والضغوط الهائلة التي تؤثر في حركة مطار رفيق الحريري الدولي بشكل متكرر وتكاد تعزله، أصبح تأمين منافذ جوية وسيادية بديلة في مناطق آمنة ضرورة حيوية ملحة لا تحتمل التأجيل، لضمان استمرارية إمداد البلاد، وربطها بالخارج، وتأمين تدفق المساعدات الإغاثية والطبية الإنسانية.
وفي خطوة عمليّة وتاريخيّة شجاعة، جرى تلزيم المطار رسمياً لشركة «سكاي لاونج» (Sky Lounge) المتخصصة في الخدمات اللوجستية الأرضية وإدارة المرافق الجوية، تمهيداً لإعادة تشغيله مدنياً وتجارياً. ولم تقف الخطوات والقرارات عند العهود النظرية أو الوعود المؤجلة؛ بل تُوّج هذا المسار الجريء بحدث تاريخي استثنائي تمثل في إطلاق ورشة العمل الضخمة لإعادة تأهيل وتحديث وتجهيز المطار برعاية رئيس الحكومة الدكتور نواف سلام.
إن رعاية الدكتور نواف سلام للورشة حملت في طياتها أبعاداً ودلالات قانونية، وسياسية، ودبلوماسية بالغة الأهمية؛ فهي تمنح هذا المرفق غطاءً شرعياً رفيع المستوى أمام المجتمع الدولي، وتؤكد إصرار الدولة اللبنانية ومؤسساتها على ممارسة حقها السيادي المطلق في حماية أجوائها، وتأمين عيش مواطنيها، وتفعيل مرافقها الحيوية المعطلة قسراً. وتزامن إطلاق الورشة اليوم مع هبوط طائرات الفحص التقني والهندسي التابعة للمديرية العامة للطيران المدني لمعاينة المدرج الرئيسي البالغ طوله 3200 متر والمدرج الموازي، وقياس الإحداثيات والزوايا الملاحية الراهنة التي أكدت تقاريرها سلامتها الفنية المطلقة، وجاهزيتها الهندسية، وخلوها التام من أي عوائق طبيعية أو عمرانية.
إن انطلاق ورشة التأهيل والترميم الشاملة ليس مجرد حدث إنمائي أو خدماتي عابر لإنصاف محافظة عكار والشمال بعد عقود طويلة من التهميش والحرمان، بل هو إعلان رسمي، قانوني، وعملي عن كسر القيود التاريخية المفتعلة، ودخول «مطار الرئيس الشهيد رينيه معوض» حقبة العمل الفعلي كأمر واقع سيادي وشريان ملاحي ينبض بالحياة، ليربط أجنحة الشمال وعموم لبنان بأفق الحرية، والكرامة، والسيادة الوطنية المطلقة التي لا تقبل التجزئة.
-انتهى






