من هيئات مستقلة إلى «ديكور»... يوسف لـ«اللواء»: القرار الوزاري عطّل الصلاحيات وأفرغ الهيئات الناظمة من دورها
نوال أبو حيدر
أعادت استقالة أحد أعضاء الهيئة الناظمة لقطاع الكهرباء تسليط الضوء مجدّدا على واقع الهيئات الناظمة في لبنان، وعلى الإشكاليات التي تواجهها منذ إنشائها، ولا سيما لناحية استقلاليتها وقدرتها على ممارسة الصلاحيات التي أُنيطت بها قانونا. فهذه الاستقالة لم تقرأ كحدث منفصل، بل جاءت في سياق نقاش أوسع حول دور هذه الهيئات، ومدى قدرتها على اتخاذ القرارات بعيدا عن التأثيرات السياسية والإدارية.
فالهيئات الناظمة التي أنشئت بهدف تنظيم قطاعات أساسية وإدارتها وفق معايير مهنية مستقلة، تواجه اليوم تساؤلات حول فاعلية دورها، في ظل ما يطرح عن محدودية هامش عملها وتراجع قدرتها على ممارسة صلاحياتها كاملة. وبينما ينص القانون على منحها استقلالية إدارية ومالية، يبقى الواقع العملي مختلفا، وفق ما يرى منتقدو أداء هذه الهيئات.
يوسف: هيئة الاتصالات قائمة ولم تتوقف!
في هذا الإطار، يؤكد المدير العام السابق لهيئة «أوجيرو»، الدكتور عبد المنعم يوسف، في حديث إلى صحيفة «اللواء»، أن الهيئات الناظمة التي أُعيد تشكيلها في لبنان خلال العهد الحالي تنقسم إلى فئتين: هيئات ناظمة أُنشئت حديثا، وهيئات كانت قائمة منذ سنوات طويلة، إلّا أنها شهدت شغورا في عضويتها قبل أن تستكمل التعيينات فيها مجدّدا، ومن بينها هيئة تنظيم الاتصالات.
ويشير يوسف إلى أن «هيئة تنظيم الاتصالات أُنشئت وعيّن أعضاؤها للمرة الأولى عام 2007، واستمر مجلسها لمدة خمس سنوات»، معتبرا أنها «كانت بمثابة «مصنع للوزراء»، إذ تولى رئاستها آنذاك كمال شحادة الذي يشغل اليوم حقيبة وزارية في الحكومة الحالية، فيما كان الدكتور عماد حبّ الله مسؤولا عن الشؤون التقنية فيها قبل أن يصبح وزيرا للصناعة في حكومة الرئيس حسان دياب. كما يلفت إلى أن المهندس باتريك عيد يشغل اليوم منصب المدير العام لإحدى الشركات الاستشارية العاملة في قطاع الاتصالات، إضافة إلى عضوية كل من المهندسة محاسن عجم والمهندس مروان متّى، الذي لم يمارس مهامه سوى نحو شهرين قبل أن يغادر إلى لندن لتولي وظيفة جديدة، ما أدّى إلى شغور مركزه».
ويشدّد يوسف على أن «استعراض هذه الأسماء يهدف إلى تأكيد حقيقة أساسية، وهي أن هيئة تنظيم الاتصالات ليست هيئة مستحدثة، بل هيئة جرى إنشاؤها منذ عام 2007، وحددت صلاحياتها ومهامها ضمن وثيقة شاملة، ورُسمت بنيتها الإدارية من خلال مديريات متخصصة، كما أقرّت لها موازنة مستقلة ومستدامة، ومنحت الإمكانات اللازمة لتوظيف مهندسين وكوادر متخصصة».
ويؤكد أن «الهيئة لم تتوقف عن العمل منذ إنشائها»، نافيا ما يتداول خلافا لذلك، معتبرا أن «من يقول عكس ذلك يسعى إلى تضليل الرأي العام. فهيئة تنظيم الاتصالات، خلافا لما أعلنه وزير الاتصالات شارل الحاج عن أنه جاء لتفعيلها، كانت تمارس أعمالها طوال السنوات الثماني عشرة الماضية عبر طاقم تقني وإداري ومالي، ولم تتوقف عن أداء مهامها».
هذه الهيئات... «ديكور» ما لم تتمتع باستقلاليتها
وأمام كل تلك المعطيات، يرى يوسف أن «هذه الهيئات، للأسف، تم إنشاؤها على الخلفية التي تسيطر على الحكومات، سواء في الماضي أو في الحاضر، حيث تتمحور الذهنية حول أن تكون هذه الهيئات مجرد «ديكور». نقول إن لدينا هيئات تعمل من أجل التنظيم، لكن الحقيقة أننا لا نمنحها أي شيء من الاستقلالية في العمل».
ويتابع: «فأهم حجر أساس في الاستقلالية هو الاستقلال المالي، وامتلاك هذه الهيئات مواردها المالية الخاصة، وألا تخضع لسلطة الوزراء، لا من الناحية المعنوية ولا من الناحية المالية، وألا يكون وزراء الوزارات المعنية مسيطرين على قراراتها. أما إذا كان الأمر على عكس ذلك، فهذا يعني أن هذه الهيئات صورية، ولا تعدو عن كونها «ديكور»، مثل أي مزهرية نضعها على طاولة».
الهيئات الناظمة رهينة القرار الوزاري؟
ويؤكد يوسف أن «الهيئات الناظمة الحالية هي هيئات ترضخ لمشيئة الوزير، المعلنة وغير المعلنة. فهذه الهيئات تحوّلت من هيئات تنظيم مستقلة وذات سيادة، كما ينص القانون، إلى هيئات مستقيلة بالفعل».
ويضيف: «إذا دخلنا في موضوع الاستقالات، سواء جرت هذه الاستقالات أو لم تجرِ، فإن هذه الهيئات التي تم تعيينها في بداية العهد هي، في الحقيقة، مستقيلة، لأنها بحكم عدم أداء مهامها لا تملك أي حرية أو هامش عمل أو مجال لممارسة دورها ومهامها باستقلالية».
ويشير يوسف إلى أن «آخر مثال على ذلك ما قام به الوزير شارل الحاج منذ بضعة أيام، من خلال رفع ملف إلى مجلس الوزراء يتعلق بإعادة هيكلة وزارة الاتصالات، وهو ملف من المفترض ألا يُرفع إلّا بعد أن تكون الهيئة الناظمة للاتصالات قد أعدّته. إلّا أن الهيئة لم يكن لديها أي خبر بهذا الملف، ولم يذكر الوزير في حيثيات كتابه أن الهيئة كانت على علم به، أو أنها اطّلعت عليه، أو أنها أعدّته وطرحته».
صلاحيات معطّلة!
وفي سياق الحديث، يعتبر يوسف أن «لهذه الاستقالات تأثيرا سلبيا، لأن القانون عندما أنشأ هذه الهيئات وأوكل إليها مهام محددة، سحب هذه الصلاحيات من مديريات عامة كانت تعمل ضمن الإدارة العامة للدولة. وبالتالي، فإن هذه الصلاحيات التي نقلت أصبحت معطّلة، ولم تعد تمارس لا من قبل الإدارات العامة الأساسية ولا من قبل الهيئات التي أنشئت لهذه الغاية».
ويضيف: «بعض الصلاحيات باتت معطّلة، لأن هذه الهيئات نفسها معطّلة، وهيئة تنظيم الاتصالات الموجودة اليوم، وبحكم تعطّلها الفعلي، تخضع لهيمنة الوزير الكبيرة، لا سيما فيما يتعلق بموضوع رواتب أعضائها».
ويختم يوسف: «استقالة المهندس مروان جمال جاءت نتيجة قناعته بأنه غير قادر على ممارسة عمله ضمن الظروف القائمة»، معتبرا أن «الاستقالات الفعلية والخطية ليست سوى نتيجة طبيعية للواقع الذي تعيشه هذه الهيئات».






