17 كانون الأول 2021 12:00ص سأحدّثكم عن بيروت «الروشة».. صخرة الحب، والانتحار!

حجم الخط
{ «الروشة»..

صخرة عنيدة متربّعة على ضفاف بحر بيروت، من الجهة الغربية، لم يملّ الموج التشظّي على أقدامها منذ آلاف السنين، دون أن تلين لها قناة أو تنحني لها هامة، حتى أطلق عليها «حارسة بيروت»...

عمرها من عمر بيروت، فهي تعتبر إحدى أهم المعالم الطبيعية الآخاذة والرائعة الجمال في لبنان وعاصمته بيروت، وهي ترمز إلى مدى عراقة هذه المدينة العربية التي أشتهرت وذاع صيتها عبر الأزمنة والعصور...

صمودها الدهري، جعلها ذات رمزية دالة على بيروت، وكأنها بصمتها، التي لم تمحها كل العواصف العاتية، فبقيت قابعة في بحرها، حتى سمّيت المنطقة المحيطة بها بإسمها «الروشة» (تعريب لكلمة la roche الفرنسية، التي تعني الصخرة).

وصخرة «الروشة» تُعدّ واحدة من أروع معالم السياحة في بيروت، ومن أشهر المعالم الأثرية في لبنان عامة، وهي عبارة عن صخرتين هائلتي الحجم، إحداهما أكبر من الثانية، والكبيرة هي الصَخرة المجوفة من أسفلها، ويبلغ إرتفاعها ما يقارب 70 متراً، ويبلغ إرتفاع الصخرة الثانية الصغيرة حوالي 25 متراً، وقد تأثّرت بعوامل التعرية الجوية التي تعرّضت لها عبر الزمن، ما أدّى إلى جعلها مُدببة الشكل.

إحتار علماء «الجيولوجيا» في معرفة عمرها الحقيقي والكيفية التي تكوّنت بها، ويقال إنها تكوّنت منذ آلاف السنين نتيجة الزلازل القوية التي قضت على العديد من الجزر المأهولة في ذلك الوقت وظهرت بدلاً منها صخور عديدة منها «الروشة» وغير ذلك من الإجتهادات...

وكانت صخرة «الروشة» إحدى المحطات الأساسية لمستشرقي القرنين الثامن والتاسع عشر الذين وفدوا لإستكشاف الشرق الأوسط في ظل الحكم العثماني.

وتبرز الصخرة وتطغى بوضوح على سائر المشهد في الرسومات التي أعدّها أولئك المستكشفون الأوائل، وبين عامي 1831 و1840 أثناء حملة محمد علي باشا على بلاد الشام.

هذا ما جعل صخرة «الروشة» وواجهتها البحرية، واحدة من أبرز المعالم السياحية في بيروت، إلى أن تحوّلت مزاراً مهماً لكل السياح، خصوصاً للإستمتاع برؤيتها ومشاهدتها عن قُرب وأخذ الصور التذكارية على خلفية الصخرة، إضافة إلى قيام الزوار بجولة بحرية بالقوارب التي تبحر حول صخرة الروشة وتعبر في التجويف الموجود فيها...

كذلك، على الرصيف المطلّ على الصخرة يمارس المواطنون رياضة المشي والركض، وإستئجار الدراجات والهوائية والقيام بجولة مميّزة، ويستمتعون أيضاً بتناول بعض الحلويات والمأكولات الشعبية، التي يقوم ببيعها الباعة المتجولون على طول الكورنيش...

بالرغم من أنه يطلق على صخرة «الروشة» ظلماً، صخرة «الإنتحار والموت»(!) فهي في حقيقة الواقع «صخرة الحبّ»، خصوصاً في اللحظة التي ترمق شمس بيروت بنظرة المساء الأخيرة، تاركة الأحبّة «إتنين إتنين»، لتضخ الحياة في قلوب الأحبة، وتكتب قصص حب لا حدود لها، حينما يتنزّه العشاق المتيّمون على الكورنيش المطلّ إليها، ويجلسون على الرصيف، متأملين البحر وأحلامهم، ومخططين لمشاريعهم المستقبلية، على إيقاع صوت الأمواج التي تحمل لهم الأمل والتفاؤل.. تماماً كما كان عليه مشهد الحبّ الذي جمع الفنّان عبد الحليم حافظ والممثلة ناديا لطفي، عند هذه الصخرة، في فيلم «أبي فوق الشجرة»، على وقع أغنية «جانا الهوى جانا.. ورمانا الهوا رمانا»...





باحث في التراث الشعبي - عضو جمعية تراث بيروت