في السرطان ويوميّاته: «أنا قادم أيّها الضوء»
د. سمر سمير المزغنّي*
تُعدّ كتابة مرضى السرطان لِيوميّاتهم مع الدّاء ظاهرةً جديدة، حتّى في المُجتمعات الغربيّة التي شهدت تزايدها منذ مطلع ألفـيّتنا هذه. وتتميَّز نصوصُهم بموضوعاتها الحميميّة المُشترَكة وبِمَـيل أصحابها إلى نشْرها في الصحافة الإلكترونيّة وفي وسائل التواصُل الاجتماعيّ، ما أَسهَمَ في إدراجها في الدراسات الأكاديميّة تحت مُسمّى الصحافة الاعترافيّة.
أمّا في المُجتمعات العربيّة، فلا يزال نشْر مثل هذه الاعترافات، الكاشفة عن أحد أكثر التابوهات رُعباً، مغامرةً رياديَّة. وهو ما تبدو عليه، للوهلة الأولى، يوميّات «أنا قادم أيّها الضوء» في اعترافات الصحافيّ محمّد أبو الغيط بأكثر تفاصيل رحلته مع السرطان حميميّةً: تواتُر حيله الفكريّة في معركته مع الجسد والعقل، تطوُّر العوارض والمُضاعفات الصحيّة مع العمليّات الجراحيّة وجلسات العلاج، تعقُّد المعارك الإداريّة والقانونيّة لتقديم ملفّات طلب العلاج واستمارات التجارب الطبيّة، تحدّيات المُمارسات اليوميّة كالأكل والشرب والإخراج، التغيّرات الطارئة على أسلوب الحياة وعلى العلاقات الاجتماعيّة، والخريطة الزمنيّة لآلامه ومُعاناته الجسديّة والنفسيّة.
إلّا أنّ خصائص نصّه تشير إلى أنّ هذه اليوميّات لا تؤسِّس للصحافة الاعترافيّة باللّغة العربيّة فحسب، وإنّما تمثّل فِعلاً بطوليّاً محفوفاً بالمخاطر في قصّة حياة أبو الغيط، على الرّغم ممّا فاضت به هذه الأخيرة من منجزاتٍ ضمن نشاطه الثوري ونضاله ضدّ الفساد والطغيان طوال عمله الصحافي الاستقصائيّ.
العدّ التنازليّ: تأريخ الموت
تؤرِّخ اليوميّات للسنة الأخيرة من حياة أبو الغيط بدءاً من تشرين الأوّل/ أكتوبر 2021 إلى منتصف تشرين الثاني/ نوفمبر 2022، أي قَبل أسبوعَيْن من تاريخ وفاته، ما يُدرجها في ما يُعرف بالكتابة الذاتيّة عن الموت، أو Autothanatography بتعبير جاك دريدا.
بالانطلاق من لحظةِ عدٍّ تنازليّ، يُصرِّح الكاتب بأنّه يُسجِّل كرونولوجيّاً «ما تبقّى من أيّام معدودة»، بالتوازي مع النسق التصاعديّ لانتشار السرطان. مع تفاقُم المرض وتدهْور صحّته - وهو ما يُعبِّر المؤلِّف عنه بِـ «الموت بالتقسيط» -، يتطرّق إلى تحضيرات الموت وما بعده (الدفن، الوصيّة...)، بل ويصوِّر في لحظاتٍ أخرى رثاءه لنفسه مستـبِقاً جنازته المرتـقَبَة.
وينتمي النصّ إلى فنّ اليوميّات، الموسومة بنزعتها إلى توثيق أزمنة الأزمة والمُعاناة (مثل الحرب، والحصار، والوباء، والإبادة...)، مورِّطاً المؤلِّف في المأزق الحقيقيّ لكتّاب هذا الفنّ كما يصفه فيليب لوجونPhilippe Lejeune: الكتابة في مواجهة الغد، والفراغ، والموت. يتّضح ذلك منذ الصفحة الأولى، وهي تنطلق من «تجربة الدنوّ من الموت» (Near Death Experience)؛ فيقرّ أبو الغيط «أضحت التواريخ مهمّة جدّاً؛ لأنّي أصبحتُ أراها ساعةً رمليّة، يَتناقص محتواها باستمرار. محتواها هذا ليس رملاً، بل هو أيّام حياتي الباقية». عند هذه النقطة، تتحوّل اليوميّات - كما يتّضح ذلك في بقـيّة النصّ - إلى سلاح مُواجَهة على جبهاتٍ خطيرة عدّة.
اليوميّات كسلاح حرب
يخوض أبو الغيط بقلمه حَرباً على ثلاث جبهات، تتجاوز جبهة المرض اللّعين لتشملَ أمراضاً اجتماعيّة ووحوشاً سياسيّة ومعارك سرديّة أشدّ مكراً من الوَرَم الخبيث. ويُمكن تفسير هذه القصديّة في مجابهة جيشٍ لا يقتصر على فصيلة السرطان بِرفض أبو الغيط الصورة النمطيّة عن مريض السرطان المثاليّ، المريض «المقاتل»، ولإنكاره تنميط تجربةَ المرض كـ «معركة» فريدة يُتوقَّع من صاحبها أن يُناضِل بلا هوادةٍ للانتصار خلالها، مُحذِّراً ممّا في ذلك من اختزالٍ للفرد وتعسّفٍ على إرادته الحرّة وتجاهُلٍ لهشاشته الإنسانيّة.
يُشهِر أبو الغيط يوميّاته ليتجاوَز معركته مع السرطان بمُحاربةِ سرديّةِ الرجولة السامّة السائدة في المُجتمعات العربيّة على نَحْوٍ خاصّ، وما تُرسِّخه من صفاتٍ وشروطٍ لِـتدجين الذكور (الصلابة، القوّة المُهيْمِنة، فرْض السيطرة على الآخر، وخصوصاً النساء)؛ فيهشِّم أبو الغيط هذا القناع بالاستفاضة في البَوح بضعفه الجسديّ، وحدوده الفكريّة، وهشاشته النفسيّة، بل وضآلة وجوده الفرديّ في العالَم والتاريخ. عَبْرَ يوميّاتٍ تَلتقط التفاصيل بواقعيّةٍ فاضحةٍ ولا تغفل عن أكثر مواقف الضعف حَرجاً، يصوِّر نفسه، من دون خزيٍ أو تكتّمٍ عن عواطفه، كرجلٍ يحتضر على فراش المرض في أتعس حالاته الجسديّة والنفسيّة، تُنقذه من ضعفه المتواصل امرأةٌ قويّة. في مُواجَهة السرديّة الاجتماعيّة السائدة، يُسهب أبو الغيط في رسْمِ امرأةٍ بطلةٍ - زوجته إسراء شهاب - ككائنٍ خارِق، مُعترفاً بفضائلها وقدراتها بتراكميّةٍ تَبلغ ذروتها في الفصل الأخير «وردتي البيضاء الخارقة». على مدى النصّ، يُعيد أبو الغيط تعريف الرجل (العربي) قالِـباً اعترافَ الرجل بالضعف والهشاشة - بل واستجارته بامرأةٍ قويّة - إلى فعلِ بطولة.
بالإضافة إلى هذه المعركة، لا يتوانى أبو الغيط عن الانتقال من عرضِ تجربةٍ شديدة الذاتيّة إلى الانغماس في الشأن العامّ، في تشابكٍ كثيف بين اليوميّات الداخليّة والخارجيّة (نجوى عمامي، اليوميّات الخاصّة في الأدب العربيّ الحديث، 2024، ص24)؛ فيُـناقش الأحداث السياسيّة والتاريخيّة المحليّة والدوليّة المُختلفة كتداعيات «الربيع العربي»، وموضوعات تحقيقاته الصحافيّة، والتغيُّر المناخي، وحريّةِ المُعتَقلين السياسيّين وغيرها من الموضوعات الحسّاسة. وفي خضمّ معركته في سبيل هذه القضايا المُلِحّة، يشحذ سلاحَ يوميّاته بتقنياتِ فنٍّ شديد الفعاليّة: السخرية.
يمتدّ حسّ السخرية على صفحات اليوميّات لِـنقْدِ تقلّبات السياسة وتفكيك الأعراف الاجتماعيّة، بل ولتناوُل التغيّرات الجذريّة التي يمرّ بها الكاتب. فيتهكّم في مواقف عدّة على نفسه، ويَضحك من تصاغُر أحلامه باقترابه من الموت، ويَستهزئ بفشل حيَلِه الفكريّة وبإخفاقِ استراتيجيّات التكيُّف النفسيّة لديه، بل ويَسخر من عجْزِ جسده والانهيار التدريجيّ لوظائفه الحيويّة. ولا يفوته أن يوظِّفَ تقنيّات السخرية اللّفظيّة والسخرية الظرفيّة لنقْد القرارات والسياسات الصحيّة التي يَخضع لها، ولشرْح سياقاتها المحليّة والدوليّة. كما يَستعين بالسخرية اللّاذعة في مُناداته المتكرّرة لحلّ أزمة التغيُّر المناخي، مُستعيراً صورةً كوميديّة تاريخيّة وأدبيّة (الأعراب) للتهكُّم على أعداء البيئة.
أمّا معركته الثالثة، فهي وجوديّةٌ بالأساس. إنّها صراعه ضدّ الزمن في أثناء انتظاره للموت. إنّ هذه المعركة تفوق ظرفيّةَ مَرَضِهِ لترتبطَ بالشرط الإنسانيّ، وهو ما يُشير إليه تشبيهُهُ وَضعِهِ بحالة المحكومين بالإعدام، ويتجلّى بكثافةِ استحضاره لمدوّنة السجن على مدى اليوميّات. في دراسةٍ ليوميّاتِ مرضى السرطان (Broom, A., Kenny, K., & Kirby, E, «On waiting, hauntings and surviving: Chronicling life with cancer through solicited diaries», The Sociological Review,2017) يُحلِّل الباحثون مفهومَيْ «الانتظار» و«المُطارَدة» ومدى أهميّـتهما في هذه النصوص. فالزمن في هذه اليوميّات مُختلف، لأنّ الانتظار فيه «ثخـن» و«سميك» بسبب الشكوك المُستمرّة وفداحة التوقُّعات. كما أنّ «المُطارَدة» قائمة في هذه النصوص بسبب التنبّؤات الطبيّة المُتواصلة والتواريخ المَخفيّة المُتعلّقة بتطوّرات المرض (تلك التي يَحجبها، بخبثٍ، السرطان). هذه المُطارَدة تؤثِّر في الزمن الحاضر في وعي المرضى؛ ما يُشوِّه الشكلَ الخطّي للزمن. وكما تُشير إلى ذلك الدراسة، فمثلما يَسِمُ هذان المفهومان تجربةَ الكاتب، فإنّهما يَنعكسان على يوميّاته، من خلال تداخُل الجداول الزمنيّة (الماضي، والحاضر، والمستقبل). في النصّ، يبدو ذلك في القفْز بين التواريخ تارةً (أيلول/ سبتمبر 2021 بعد تشرين الثاني/ نوفمبر 2021)، وتمديد أخرى طوراً («ما زلنا في 12 نوفمبر/ تشرين الثاني 2021»)، وفي خلّو بعض المقاطع من تواريخ محدَّدة لليوميّات.
إنّ هذه الحالة الوجوديّة، التي تُشير إليها الدراسة بـ «المُعايَشة» (أي مُعايَشة السرطان)، تتّسم بالغرابة؛ لأنّها تَفترض، بدلاً من الشفاء أو الموت، ضرورةَ التآلُف مع الوحش.
ترويض الوحش
تَستميت اليوميّاتُ، كصاحبها، للحفاظ على مستوى توازُنٍ دقيقٍ وحسّاسٍ لثنائيّة التذكُّر والنسيان. كتابة اليوميّات هي، بالأساس، عمليّة تسجيل سلسلة آثار مؤرَّخة (Lejeune, P., & Durnin, K. On Diary, 2009)، وهي كما يَذكر أبو الغيط محاولتُه الأخيرة لِـترك أثرٍ ما. لكنّها تُمثّل كذلك، للمُفارَقة، خدعةً فكريّة يُسلّطها الكاتب على عقله، كما يُقِرّ بذلك منذ بداية الكتاب؛ إذ يُحاول عَبْرَ إفراغ آلامه على الورق التخلُّصَ منها في الواقع. إنّها خطّته للنسيان عن عَمْدٍ.
لا تفوت الكاتب هذه المُفارَقة، فهو يُخاطِر بالتذكُّر، وتسجيل تفاصيل رحلته مع السرطان، رغبةً منه في نسيان هذه الرحلة بالذّات. تتّضح هذه المُفارَقة لغويّاً في النصّ عندما يَبدأ الكاتب بتسجيل مُعاناته، كيوميّاتٍ مؤرَّخة، في فصل «النسيان»، حيث يُسجِّل التاريخَ الأوّل لليوميّات (لحظة اجتماعه بالطبيب قَبل أسبوعٍ من جلسة العلاج الكيمياوي الأولى). وتتواصَل المُفارَقة على مدى الكتاب، إذ يَتزايد حضور التواريخ باطّراد، بالتزامُن مع تفاقُم مُعاناة الكاتب وتضاعُف حاجتِه إلى نسيانِها. ففي فصل «سؤال الألم» تتعدّد التواريخ، وتُصبح اللّغة أكثر كثافة. إنّ مَوقع هذا الفصل (من الفصول الأخيرة لليوميّات) والموضوع الذي يُركِّز عليه (الألم) يُشيران إلى ضيق الوقت «المُتبقّي». وهذا ما يُفسِّر حسَّ الواقعيّة الطاغي، على الرّغم من تتابُع الأسئلة الفلسفيّة والموضوعات السياسيّة واستشهاد الكاتب بالعديد من الأعمال الأدبيّة والعلميّة والفلسفيّة وحتّى بالمَراجع الدّينيّة والميثولوجيّة. بشكلٍ تدريجيّ، يَشوب الاعترافات - وخصوصاً مع تقدُّم اليوميّات إلى نهاياتها - طابع الاستغناء. وبقدر ما يَتضمّن ذلك، في تجربة الكاتب، المعنى الصوفيّ للاستغناء (في علاقة الكاتب بالمادّة والنَّفس، وفي أفكاره التي غَدت أكثر شفافيّة، وفي علاقاته الاجتماعيّة المحصورة في أهمّها، وحتّى في جسمه ذاته الذي استغنى عن أعضاءٍ أساسيّة)، فإنّ ذلك يتجلّى سرديّاً عَبْرَ الحذْف والتلخيص وتقليل الأساليب البلاغيّة، إلى درجةٍ تغدو فيها المعاني حرفيّةً، حتّى أنّ الكاتب يُختزل هو نفسه - حرفيّاً - إلى تجربةٍ علميّة. يُشدِّد أبو الغيط على حاجته إلى التكثيف باستحضاره لمقولة محمّد بن عبد الجبّار النِفَري: «كلّما اتّسعت الرؤية، ضاقَت العبارة». ومع اقتراب الموت من الكاتب، لا يبدو أسلوب التكثيف الطاغي على النصّ خياراً تقنـيّاً، بقدر ما يَفرض نفسه كضرورةٍ قدريّة.
إلّا أنّ لعمليّة التكثيف والاستغناء قيمةً إضافيّة، لأنّها تُصفّي اليوميّات من الشوائب محوِّلةً الكتابة إلى عمليّةِ تطهيرٍ وتقطيرٍ منهجيّةٍ للتحكُّم في الوحش (السرطان) وترويضه، أي جعْله «أليـفاً» من أجل تحمُّل شرط «المُعايَشة». من هنا تَصير تواريخُ اليوميّات المتتالية سلسلةً تُقـيِّد الوحشَ على الورق، ليُضيِّقَ المسجونُ الحصارَ الذي فَرضه جلّادُه (السرطان) عليه. يتّضح ذلك في تواتُر التواريخ في الأجزاء الأخيرة من اليوميّات وحتّى أسبوعَيْن قَبل الوفاة، على عكس الأشهر الأولى من اليوميّات (بعد عمليّة الاستئصال) التي تَرِدُ فيها التواريخ مُتباعدةً وأحياناً غائبة. وعلى الرّغم من تبرير الكاتب لانقطاعه الجبريّ عن الكتابة (في الفترة الأولى من سنة اليوميّات) باستفحال آلامه بَعد العمليّة، إلّا أنّ التواريخ تُصبح في الجزء الثاني (الأقسى جسديّاً ونفسيّاً) أكثر تقارُباً وحضوراً، وهو ما يُفسّره أبو الغيط بمُحاولةٍ للمُثابَرة على الكتابة بقدرِ توسُّع انتشار المرض. اليوميّات تتحوَّل بذلك إلى فعْلِ تحَـدٍّ: كلّما استبدَّ به وحشُ السرطان، طوَّعَهُ بالكتابة.
بحديثهِ المسهب والمتكرّر والتفصيليّ عنه، وَرَماً وعدوّاً وتجربةً معيشيّة، بل و«رفيـقاً أليـفاً»، يورِّط أبو الغيط قارئه في التآلف مع مُعجم السرطان، فيفقد هذا الأخير سلطة الرهبة المنسوبة إليه، ويَخسر سلاح الخوف الجماعيّ من وحشٍ «لا يصحّ ذكره»، كما تَصفه الناقدة الأميركيّة سوزان سونتاج Susan Sontag في نقْدها لـ «وصمة السرطان» (Sontag, S. Illness as Metaphor,1978). في النتيجة، يُسجِّل أبو الغيط نقاطاً ضدّ سرديّةٍ أخرى سائدة في المُجتمعات العربيّة؛ فهذه لا تزال، مثل العديد من المجتمعات الشرقـيّة، رافضة لمدوّنة السرطان، بل مُتطيّرة حتّى من لفظ اسم المرض، ناهيك عن التعبير عن تفاصيله، مُحاذِرةً في ذلك إلى حدّ الاكتفاء بالإشارة إليه بـ «ذاك المرض». نتيجة جعله الوحش أليفاً، لا في علاقته بالمؤلّف فحسب، وإنّما في علاقته بالقارئ أيضاً، يضفي أبو الغيط على نصّه قيمةً تتجاوز بعده الخاصّ لتمهّد إلى تطويع الوحش في الخطاب العامّ.
إنّ مُواظَبة أبو الغيط على تقييد هذه اليوميّات في أيّامه الأخيرة هي محاولته النهائيّة لحلّ وثاقه هو من خلال توثيق الوحش بِـقـيْد الكتابة. وهي أيضاً محاولته لإضفاء المعنى على غرابة تجربته، بل وعبثـيّـتها. هذه العبثيّة تتسرّب من حالته ذاتها، حيث قيَّم الأطبّاء نَوع السرطان الذي أصابه بندرته وشذوذه عمّا توصَّل إليه العِلم، وهو ما عبَّر عنه الأطبّاء والكاتبُ بوصولهم إلى «نهاية الأرض» التي فتحها العِلم بالمعرفة. هذا الغموض والجهل والضياع الذي يحوم بمرضه يَترك الأطبّاء والعُلماء في بريطانيا وأميركا، بالإضافة إلى الكاتب ومحيطه الاجتماعيّ، عاجزين تماماً أمام حالته المُستعصية، ومُتخبّطين في تجارب طبيّة جديدة لا سابق لها، ما يُفاقم من الغرابة والعبثيّة. وهكذا تُصبح كتابةُ اليوميّات المُمارَسةَ الوحيدة التي يُمكن من خلالها إضفاء المعنى على خوضِ تجربةٍ مضْطربةٍ تَرسم فيها آلامُه خريطةَ فتْح أرضٍ مجهولة. يقول أبو الغيط «بينما أكتب ما زلتُ أكتشف الأعراضَ الجانبيّة الجديدة. الآن بالمعنى الحَرفي لا المجازي التجربة هي أنا، وأنا هو كذلك التجربة».
في وسط هذه الفوضى، تتحوَّل التواريخ المحدِّدَة لليوميّات إلى وسيلةِ تحكّمٍ في الزمن، وتَنقلب روتينيّةُ الكتابة إلى استراتيجيّةِ مُقاوَمة لا لتطويع الوحش فحسب، بل ولمُمارسةِ فعلٍ فرديّ حرّ يُضفي المعنى على حالةٍ تَغرق في العبثيّة. ومع عجزه التدريجيّ عن أكثر الأفعال طبيعيّةً في الحياة (الأكل، والشرب، والنوم، والإخراج، وحتّى التنفّس)، لا تـتبقّى سوى الكتابة كعادةٍ تُعطي الانطباع بِحياةٍ طبيعيّة. هذا ما يُعلنه أبو الغيط في قوله «لا أعرف المعنى في ألمي، لكنّي أعرف المعنى في مقاومته».
كتابة اليوميّات، فعْل البطولة
على الرّغم من أنّ فنّ اليوميّات لا يَعِد - كما تَفعل السيرة الذاتيّة - بمُنحنىً سرديّ أوسع من اللّحظات الزمنيّة التي يُسجِّلها، إلّا أنّ الغَوص في يوميّات أبو الغيط يشبه، بِشكلٍ كبير، قراءةَ روايةٍ مُرعِبَة. فعلى الرّغم من اختلافها عن جنس الرواية، إلّا أنّ هذه اليوميّات تضمّ في داخلها، بِحبكةٍ شديدة المتانة، كلّ مقوّماته: تجربة الدنوّ من الموت (حرفـيّاً)، الصراع الدراميّ للبطل مع غريمه الشرّير (السرطان)، التداعيات (شرط «المُعايشة»، المعارك ضدّ السياسات الصحيّة وضدّ الزمن...)، المَشاهد الطّافحة بالمشاعر، المنحنى الدراميّ للبطل وتغيّراته الكبرى (من حماسة التفاؤل إلى التماس العلاج التلطيفي وتقبُّل الموت، من تشدُّده العلميّ في العلاج إلى انفتاحه على أساليب أكثر غيـبـيّة، من تشتُّت أحلامه وسِعَتِها إلى تركيزِها على لحظاتٍ محدودة من السعادة)، وحتّى التغيُّرات الطارئة على الشخصيّات الأخرى (زوجته، والدَيْه، الأطبّاء).
على عكس الروايات التي تُحاكي فنّ اليوميّات، ناسِجةً القصّة عَبر تواريخ اليوميّات كي توهِم القارئ بواقعيّـتها (كمال رياحي، الرواية تموت أم تَترنّح، 2024)، يُخلِّف هذا النصُّ الانطباعَ المُعاكس؛ تبدو اليوميّات كأنّها تُحاكي حبكةَ روايةٍ متخيَّلة، لا تَفتقر البتّة إلى عناصر التشويق والدهشة. فكلّما ضيَّق السرطان على المؤلِّف الحصار بجلسات العلاج والأدوية والأنابيب والأسلاك المُتدلّية من جسده، أسَرَه الكاتبُ في حدود الورقة بالكلمات والتواريخ. بذلك تغدو كتابةُ اليوميّات في النصّ فِعلاً فكريّاً تحرّرِيّاً يفلت به البطل من السجن، ويتحدّى به الموت المتربّص به منذ الصفحة الأولى بتجربة الدنوّ منه، ويعزف به - في استحضار أبو الغيط لصورة عازف الكمان على سفينة التيتانيك - مقطوعته الموسيقيّة الأخيرة.
يَغرق قرّاءُ هذا النَّوع من اليوميّات في نزعةِ إسباغ مفهومَيْ القداسة والحُرمة على مرضى السرطان في أثناء تجربتهم وبَعد وفاتهم، وهي، بحسب الكثير من الباحثين، حيلة نفسيّة دفاعيّة تَسمح للقارئ بخلْق مسافة بينه وبين المريض (والمَرض) وتُحصّنه من مأزق الحميميّة معهما. إنّها وسيلتنا لتجنُّب مُواجَهة خوفنا من الموت، ومن محدوديّة فعلنا الفرديّ؛ وهي الاستراتيجيّة نفسها التي استعملها أبو الغيط في بداية رحلته مع السرطان («يحدث للآخرين فقط»)؛ إلّا أنّ القارئ يَكتـشف - بعد فوات الأوان - أنّ أبو الغيط سَحَـبه، بمدى صدقيّـة نصّه وأصالته وحبكته الروائيّة - ليشتركَ معه في التجربة، ويتعاطَف معه حدّ التماهي.
إنّ القيمة العلاجيّة النفسيّة لليوميّات، باعتبارها علاجاً مسهِّلاً ومُتنفَّساً للتفريج عن مريض السرطان بحسب كثيرين، تَبلغ ذروتها في مساعدة مؤلِّفِ الرواية وبطلها على التغلّب على الخوف من الدّاء عَبر كتابته، قَبل انتهاء القصّة. ولعلّ هذه مُفارَقة أخرى في النصّ، حيث يُسِرّ أبو الغيط برغبته في أن يُمهله المرض وقـتاً إضافيّاً لإنجاز عددٍ من المهامّ المؤجَّلة، من بينها كتابة الرواية. ومن المُحتمل أنّ الصحافيّ المُثابر لم يفوِّت سَبَق انطفاء جسده بالتوازي مع اتّـقاد فكره ليكتب لنفسِه بطولةً أخيرة بهذه اليوميّات. فقراءة هذا النصّ هي بمثابة قراءة عملٍ روائيّ، تُتابِع فيه الأيّامَ الأخيرة لأبي الغيط وأنتَ تعرف مُسبقاً أنّ نهاية الكتاب هي نهاية الكاتب والبطل في الآن ذاته؛ بل إنّك تـتواطأ كقارئ في الاعتراف معه، مع اقتراب اليوميّات/ الرواية من نهايتها، بأنّ كتابة هذه اليوميّات هي آخر فعلٍ بطوليّ في قصِّة المؤلِّف.
* كاتبة وباحثة تونسيّة مقيمة في أميركا
(يُنشر هذا المقال بالتزامن مع دورية «أفق» الإلكترونيّة الصادرة عن مؤسّسة الفكر العربيّ)






