حين يكون عيد الدنيا... يوم عيدك يا لبنان
محمد جارودي
ليست هذه بدايةً تشبه سائر البدايات. فالحرب، حين تضع أوزارها، لا تخلّف ورائها أنقاضاً وجدراناً متصدّعة فحسب، بل تترك إنساناً يقف مذهولاً أمام ما تبقّى من عمره، يبحث بين الركام عن صورةٍ نجت، أو لعبة طفل، أو ضحكةٍ كانت تملأ البيت حياةً. نعود إلى أحيائنا لا لنحصي خسائر الحجر، بل لنفتش في الغبار عن ذاكرتنا، وعن ذلك الأمان الذي انتُزع منا على حين غفلة.
وهذا الوجع ليس وليد اليوم، بل هو قهرٌ راكمته الحروب، وأثقلته مواسم النزوح والخوف، حتى بات اللبناني يحمل في قلبه تعب سنواتٍ لا حرباً واحدة. يستنزفه الانتظار، ويؤلمه أن يجد نفسه مطالباً، في كل مرة، بأن يبدأ من الصفر، وكأن القدر كتب عليه أن يعيد بناء حياته كلما أوشك أن يستقر. فكيف تُواسى قلوبٌ دفنت تحت الإسمنت أعمارها، وأحلامها، وأفراح أبنائها؟
نمضي اليوم في ممرات هذا التعب الطويل، لا نعرف أين تنتهي، ولا أيّ طريق يقود إلى الخلاص. نقف في منتصف الذهول، نلتفت حولنا فلا نرى إلّا ضباب الوعود، وصراعاتٍ دفعنا أثمانها من أعمارنا، ومن أرزاقنا، ومن مستقبل أطفالنا. وإذ تبدو إعادة بناء الحجر مهمةً شاقة، فإن إعادة بناء الإنسان أصعب بكثير؛ فالبيوت تُرمَّم، أما الأرواح التي أنهكها الخوف، وفقدت ثقتها بالغد، فتحتاج إلى زمنٍ أطول، وإلى وطنٍ يحتضن أبنائه بدل أن يتركهم وقوداً لمعارك الآخرين.
وأمام هذا الركام الموحش، لا تكفي الكلمات، ولا تسعف البلاغة. لا يبقى إلّا رجاءٌ صادق يخرج من أعماق القلوب: كفى. كفى حروباً، وكفى نزيفاً، وكفى أوطاناً تُدفع إلى حافة الهاوية. آن الأوان أن يستعيد الإنسان كرامته، وأن يشعر بأن حياته أغلى من الحسابات، وأن يعود الوطن بيتاً لأبنائه لا ساحةً لتصفية الصراعات.
ونسأل الله أن يحفظ لبنان وأهله، وأن يجبر كسور القلوب كما تُرمَّم الجدران، وأن يبدّل خوف الناس طمأنينة، ويهدي الجميع إلى طريقٍ تُصان فيه الحياة، وتُقدَّم فيه مصلحة الوطن على كل مصلحة، ليكون هذا الألم آخر ما يكتبه اللبنانيون في دفاتر أحزانهم.
وفي خضم هذا الضياع، لا تزال تسكننا أمنية واحدة، بسيطة في كلماتها، عظيمة في معناها: أن نغمض أعيننا على وجعٍ طال، ونفتحها على وطنٍ عاد إليه السلام. أن نستيقظ ذات صباح فلا نسمع إلّا أصوات الحياة، ولا نرى إلّا الأطفال يركضون إلى مدارسهم، والناس يعودون إلى أعمالهم، والقلوب مطمئنة إلى الغد.
حينها فقط... سيكون عيد الدنيا كلِّها يوم عيدك، يا لبنان. وسيكون سلامك هو أجمل الأعياد، لأن الأوطان لا تحتاج إلى المعجزات بقدر ما تحتاج إلى أن تُمنح فرصةً عادلة للحياة.






