مملكةٌ تأكل أبناءها
في بلادٍ أنهكتها الحروب، وكثرت فيها الوعود حتى صارت أثقل من الديون، ظهر رجالٌ على شاشات التلفزة يحملون رايات الإصلاح، ويتحدثون بلغة المنقذين. قالوا للناس إن زمناً جديداً قد بدأ، وإن الفساد سيُطارد إلى آخر أوكاره، وإن الدولة ستستعيد عافيتها بعدما أنهكها العابثون.
صدّق الناس، لا لأنهم لم يعرفوا الحقيقة، بل لأن اليأس يجعل الإنسان يتعلق بأي نافذة يُفتح منها بعض الضوء.
لكن الأيام كشفت أن القصر الذي رُفع عليه شعار الإصلاح كان يحتاج أولاً إلى إصلاح. فبدلاً من أن تمتد يد الدولة إلى مكامن الهدر والصفقات الغامضة، امتدت كعادتها إلى الجيوب الصغيرة.
وهكذا وُلدت قرارات جديدة، تحمل أسماء كثيرة، لكنها كانت تؤدي وظيفة واحدة: نقل أعباء الدولة من خزائنها إلى ظهور الناس.
وحين ارتفع سعر قارورة الغاز، خرج التبرير جاهزاً: القوارير تضررت من آثار الحرب، ولا بد من استبدالها، لم يفهم الناس كيف تحولت آثار الحروب، التي يفترض أن تتحمل مسؤوليتها الدولة، إلى فاتورة جديدة تُرسل إلى المواطن.
قبل ذلك، كانت الدولة قد فرضت رسوماً إضافية على المحروقات بحجة تأمين رواتب القطاع العام. لم يعترض الناس على حق الموظف في العيش بكرامة، لكنهم تساءلوا: لماذا تتحول خزينة الدولة إلى صندوق يُملأ من جيوب من لا يملكون إلا قوت يومهم، بينما تبقى أبواب الهدر والسمسرات مشرعة أمام أصحاب المصالح؟
كانوا قد وعدوا بمحاربة الفساد، لكن الفساد لم يختفِ؛ بل تعلم كيف يغير ثيابه، وكيف يجلس في الصفوف الأولى، وكيف يتحدث بلغة الإصلاح.
وفي آخر الليل، كتب أحد المواطنين على جدار متآكل في أحد أحياء المدينة:
«المشكلة ليست أن الوطن فقير، بل أن الفقراء فيه هم الذين يدفعون ثمن غنى الفاسدين.»






