أورنا مزراحي
في أواخر أيار/مايو وبداية حزيران/يونيو، أدى عاملان رئيسيان إلى تصاعد هجمات حزب الله على شمال إسرائيل: الأول، تمثّل في تقييد النشاط العسكري الإسرائيلي من جانب الرئيس الأميركي دونالد ترامب، ولا سيما فيما يتعلق بالضربات على الضاحية الجنوبية لبيروت، بهدف ترسيخ وقف إطلاق النار وإتاحة التقدم في المفاوضات بشأن اتفاق مع إيران. أمَّا العامل الثاني، فكان سلسلة النجاحات التكتيكية التي حققها حزب الله باستخدام طائرات «FPV»المسيَّرة، التي أوقعت إصابات قاتلة في صفوف جنود الجيش الإسرائيلي. ولقد أصبح هذا الوضع غير مُحْتَمَلٍ من وجهة نظر إسرائيل، وهو ما دفعها في الأول من حزيران/يونيو إلى التصريح بأنه إذا استمرت هجمات حزب الله، فإنها ستستهدف الضاحية الجنوبية. وسارع ترامب إلى التدخل لمنع ذلك، عقب تهديد إيراني بأن ضربة كهذه ستؤدي إلى وقف المحادثات. وفي اليوم التالي، ترسخت عملياً معادلة جديدة: لن تهاجم إسرائيل الضاحية الجنوبية ما دام حزب الله لا يهاجم أهدافاً داخل إسرائيل.
في المقابل، عملت الإدارة الأميركية على دفع المحادثات المباشرة بين إسرائيل ولبنان. وفي 3 حزيران/يونيو، انتهت الجولة الرابعة من هذه المحادثات بإعلان مشترك يفيد بتجديد الاتفاق على وقف إطلاق نار مشروط. وكان هذا الجهد الدبلوماسي يهدف إلى تحقيق هدف أميركي مزدوج: وقف التدهور العسكري بين إسرائيل وحزب الله، ومحاولة تثبيت الوضع على الحدود الشمالية، بالتوازي مع تهيئة الأوضاع للتقدم في الجهد الأوسع الذي تبذله الإدارة الأميركية تجاه إيران. لكن سرعان ما تبيّن أن هذا الإطار هشّ ولا ينسجم مع الواقع الميداني، فقد رفض الأمين العام لحزب الله، نعيم قاسم، نتائج الاجتماع، واستمر إطلاق النار في اتجاه الشمال، وأدى ذلك إلى الضربة الإسرائيلية المحدودة على الضاحية الجنوبية في 7 حزيران/يونيو، والتي أعقبها اندلاع جولة قصيرة من الضربات المتبادلة بين إيران وإسرائيل (7–8 حزيران/يونيو)، قبل أن تتوقف نتيجة التدخل الأميركي.
ويُظهر هذا التسلسل أن الترتيبات في لبنان ليست مجرد اختبار لقدرة الردع والإنفاذ في مواجهة حزب الله، بل أيضاً اختبار لقدرة الولايات المتحدة وإسرائيل على منع ربط الساحات المتعددة، وهو أمر بالغ الأهمية بالنسبة إلى إيران وحزب الله؛ فمن وجهة نظر إسرائيل، هدفت الضربة على الضاحية الجنوبية إلى منع ترسيخ معادلة تقيّد حرية عملها، وإلى تأكيد أن انتهاكات حزب الله ستدفع ثمناً. أمَّا إيران وحزب الله، فقد سعيا للعكس تماماً: استخدام ترابط الساحات لمنع استمرار نشاط الجيش الإسرائيلي في لبنان وفرض معادلة تحدّ من حرية العمل الإسرائيلية.
من منظور إدارة ترامب، يُعَد لبنان هدفاً مهماً بحد ذاته، فواشنطن تسعى لتثبيت الوضع على الحدود الشمالية، وتعزيز الحكومة اللبنانية، وتقليص هامش حركة حزب الله، ومنع الانزلاق إلى حرب إقليمية، لكن لبنان في المرحلة الحالية يخضع أيضاً للمسعى الأوسع الذي يقوده ترامب لإنهاء الحرب مع إيران، أو على الأقل إدارتها. وفي ظل الإحباط الأميركي من حالة الجمود في الاتصالات مع طهران، تسعى الإدارة لمنع الساحة اللبنانية من التحول إلى جبهة تُفشل المسار مع الجمهورية الإسلامية، وتزيد من حالة عدم اليقين الإقليمي، وتفرض أعباءً سياسية واقتصادية إضافية على واشنطن.
ولهذا السبب، سارعت الولايات المتحدة إلى تصوير نتائج المحادثات على أنها اتفاق متجدد لوقف إطلاق النار. وكان ترامب قد تدخّل قبل ذلك لمنع ضربة إسرائيلية واسعة على بيروت، بل وقدّم الأمر بصفته إنجازاً مباشراً لتدخُّله لدى إسرائيل وحزب الله. وادعى ترامب أنه تحدث مع حزب الله عبر «وسطاء رفيعي المستوى للغاية»، وأن الحزب وافق على وقف إطلاق النار. وفي الوقت نفسه، أشار مسؤولون إسرائيليون إلى أن الضربة على الضاحية الجنوبية تأجلت بطلب أميركي، في إطار الجهود الرامية إلى التوصل إلى وقف لإطلاق النار.
المصدر: معهد دراسات الأمن القومي
اعداد: مؤسسة الدراسات الفلسطينية