من إعلام العدو: ماذا ننتظر للعمل مع واشنطن لتحقيق التسوية في غزة؟
ميخائيل ميلشتاين
منذ انتهاء الحرب في غزة في تشرين الأول/أكتوبر الماضي، تشهد الساحة هناك حالة من الجمود المُحبِط؛ تتمسك إسرائيل بما يُعرف بـ»الخط الأصفر» وتواصل استهداف «حماس»، التي لا تزال الجهة المهيمِنة على قطاع غزة، وتتبنى موقفاً غير قابل للتنازل بشأن مطلب نزع سلاحها، على الرغم من عمليات الاغتيال المستمرة وتآكل سيطرتها على أجزاء من القطاع، فضلاً عن أن جميع القضايا، التي كان من المفترض أن تُفضي إلى واقع جديد في غزة، لا تزال عالقة، ومنها: ترسيخ حكومة تكنوقراط، ونشر قوة متعددة الجنسيات، وإطلاق مشاريع إعادة الإعمار، وانسحاب إسرائيل بالتدريج من المناطق التي سيطرت عليها.
إن إعلان «حماس» أمس بشأن حلّ لجنة المتابعة الخاصة بالنشاط الحكومي، وهي الهيئة التي كانت الحركة تدير الشؤون المدنية في القطاع عبرها، يُعتبر خطوةً ذات طابع رمزي في الأساس، لكنها ذات أهمية؛ لقد أوضح قادة الحركة أن الهدف من هذه الخطوة هو تمهيد الطريق للبدء بعمل حكومة التكنوقراط التي أُلِّفت قبل نحو نصف عام، وتعمل في القاهرة حالياً، وذلك عبر منحها كامل الصلاحيات المدنية، مع تنازُل «حماس» عن موقعها، بصفتها السلطة التي تدير الشؤون المدنية في غزة.
تدور خلف الكواليس تطورات مهمة تتعلق بالدول الثلاث الوسيطة مع «حماس»، قطر وتركيا ومصر. ففي وقتٍ كانت أنظار الجميع مركّزة على إيران ولبنان مؤخراً، عملت هذه الدول على بلورة صيغة تسوية تهدف إلى كسر الجمود في المفاوضات، وتسريع التوصل إلى اتفاق، ومنع احتمال استئناف إسرائيل عملياتها العسكرية الواسعة في قطاع غزة.
وتستند الدول الثلاث إلى قناعة مشتركة، مفادها بأنه لا يمكن إقناع «حماس» بنزع سلاحها بالكامل وبشكل فوري؛ لذلك، تطرح فكرة بديلة تقوم على نزع السلاح جزئياً، وبالتدريج، مع إيداع الأسلحة لدى حكومة التكنوقراط.
من جانبها، تُبدي «حماس» استعداداً للتعامل بإيجابية مع مثل هذه الصيَغ، إذ ترى أنها ستتيح لها مواصلة الاحتفاظ بنفوذها في قطاع غزة، على غرار المكانة التي يتمتع بها حزب الله في لبنان. وفي هذا الإطار، أعلنت «حماس» أنها سترحّب بحكومة التكنوقراط، انطلاقاً من قناعتها بأن هذه الحكومة ستكون، في نظرها، غطاءً شكلياً، وأنها ستتولى معالجة القضايا المدنية في غزة (التي تسعى «حماس» للتخلص من عبئها)، وستدفع عملية إعادة إعمار القطاع؛ كذلك ستحدّ من العمليات العسكرية الإسرائيلية، وهذا كله من دون أن يشكل ذلك تهديداً لاستقلالية «حماس»، أو مكانتها في قطاع غزة.
في ظل التقارب بين «حماس» والوسطاء، يقف نيكولاي ملادينوف، ممثل مجلس السلام لشؤون غزة التابع لترامب، متمسكاً بمطلب نزع سلاح «حماس» بالكامل، كشرط للتوصل إلى تسوية في القطاع. وبسبب ذلك، تتّهمه الحركة بأنه يمثل المواقف الإسرائيلية، ولا يقوم بدور الوسيط المتوازن والمُنصف؛ كذلك لم يُبدِ ممثل ترامب حماسةً لإعلان «حماس» الصادر مساء أمس، موضحاً أنه لا يزال يطالب الحركة بنزع سلاحها بالكامل.
ومثلما هي الحال في الأزمتين الإيرانية واللبنانية، فإن صاحب الكلمة الأخيرة بشأن أي تسوية في غزة هو – مرة أُخرى – ترامب. فمن جهةٍ، يقف نتنياهو، الذي يبدو كأنه راغب في استئناف القتال المكثف حتى قبل الانتخابات، بحسب الإحاطات الصادرة عن «مسؤولين سياسيين كبار»، لكن حتى الآن، لا يبدو كأن ترامب منحه الضوء الأخضر، ومن الجهة الأُخرى، تقف قطر وتركيا، اللتان تعزّز نفوذهما، في ضوء مساهمتهما في دفع التسويات في إيران ولبنان، وانضمت إليهما مصر مؤخراً. وتؤكد هذه الدول أن إطار التسوية الذي تروّجه هو الخيار الأقلّ سوءاً، وتحاول تصويره على أنه يتماشى مع خطة ترامب. وسيشكل القرار الذي سيتخذه الرئيس الأميركي اختباراً لمدى نفوذ نتنياهو، الذي يبدو كأن مكانته في واشنطن تشهد تراجعاً في الآونة الأخيرة؛ كذلك يملك ترامب خياراً ثالثاً، يتمثل في الإبقاء على الوضع القائم المُرهق، أي عدم الدفع نحو تسوية، وفي الوقت عينه، منع العودة إلى المواجهة العسكرية.
وتواصل إسرائيل التلويح بالاحتفاظ بالأراضي التي سيطرت عليها، باعتباره إنجازاً استراتيجياً يساهم في تشكيل الواقع، وتعلن، بحماسةٍ، عزمها على العودة إلى القتال حتى هزيمة «حماس»، غير أن القدس ربما تجد نفسها قريباً أمام ضغوط كبيرة، ثم توافق على تسويةٍ في غزة لا تستجيب لجميع مطالبها، وفي مقدمتها نزع سلاح «حماس» بالكامل. يتحرك ترامب ضمن إطار دينامية تهدف إلى إنهاء أزمات الشرق الأوسط، ومن غير المستبعد أن يخلص إلى أن تمسّك نتنياهو باستخدام القوة من دون «مسار سياسي» يسبب ضرراً أكبر من الفائدة، على غرار ما حدث في إيران ولبنان، وأن يفرض تسوية في غزة، مثلما فعل في بداية سنة 2025 ونهايتها، لكن مع احتمال أقلّ للعودة إلى القتال.
وأمام مثل هذا السيناريو، يتعيّن على إسرائيل تجنُّب المغامرات العسكرية التي تتعارض مع توجيهات واشنطن، وعدم الإصرار على التمسك بالأراضي التي احتلتها «بأيّ ثمن»، مع ضرورة إعادة النظر، بصورة نقدية، في الاعتقاد القائل إن ذلك وحده سيمنع تكرار هجوم مُشابه لهجوم السابع من أكتوبر، أو يشكل وسيلة فعالة لردع العدو. وبدلاً من ذلك، يجب دراسة سبُل الاندماج في أي تسوية محتملة، وربما المبادرة إلى طرح أفكار وخطوات سياسية، مع الحفاظ على المصالح الحيوية، وفي مقدمتها عدم سيطرة «حماس» على محور فيلادلفيا، وألّا تدخل إلى قطاع غزة قوات خارجية معادية، ولا سيما من تركيا وقطر، وأن تحتفظ إسرائيل بحُرية عمل واسعة لمواجهة التهديدات ومنع المساعي الرامية إلى التعاظم العسكري في القطاع.
المصدر: يديعوت أحرونوت
اعداد: مؤسسة الدراسات الفلسطينية






