كل يوم يمرُّ من عمر الحكومة، المحكومة بأجلها سلفا، اللهم إن لم تنشأ ظروف قاهرة، كتلك التي مدّدت للحكومة الآفلة، يجعلنا نتلهف على قرارات ومراسيم جديدة أو قديمة، تدخل حيز التنفيذ، تجعلنا نتطلّع إلى وجوه الوزراء الواعدة. فأقصى همّ المواطنين أن يلمسوا شيئا على الأرض، إن في التعيينات أو في التوجهات أو في الإنشاءات، أو في الأغراض الوطنية الكبرى التي عدّدها لنا وأحصاها، خطاب القسم من جهة أو البيان الوزاري الذي نالت الحكومة الثقة بموجبه، بأغلبية عظمى.
ليست المرة الأولى التي يحظى فيها لبنان، بحكومة الكفاءات، فقد شهد في السابق على حكومات كثيرة، نالت الثقة تحت شعارات الكفاءة والشباب والتكنوقراط والإجماع الوطني، والتوافق الوطني، وأيضا الوفاق الوطني، وكان فيها من الوزراء من يحوز على أعلى الشهادات، وكان فيها أيضا عدد جمّ، من وزراء الأيدي البيضاء، الناصعة البياض.
هذه الحكومة تتميّز عن سابقاتها، بأنها تتصدر للحكم والذكاء الإصطناعي، يعمّ جميع مجالات الحياة. فأحرى بها أن تستلهم منه عملها النظيف، لأن المواطنين عانوا كثيرا مع وزراء حكومات وزراء الذكاء الطبيعي. فقد كان ذلك، يجرّ عليهم المحسوبيات والمحاصصة والإستنسابية، وكذلك الشخصانية. بالإضافة إلى التفرّد في القرار ومصادرته وجعله عند هذه المرجعية أو تلك، فيدخل في الحسابات الطوائفية والزعامتية. وربما يدخل أيضا في حسابات القوى القوية، وهذا لمما جنى على البلاد.
تبشّرنا هذه الحكومة، بأنها أرجأت التعيينات في مناصب الفئة الأولى، حتى يتسنّى لها دراستها بعمق، وحتى تستوي الظروف، وحتى تصبح أكثر نضوجا وأكثر إيناعا... إلى غير ذلك من المفردات الطنانة الرنانة التي لا تنطلي على أحد، والتي كما نرى، تستخفّ بعقولنا.
فنحن نهيب بالمسؤولين، كبارهم وصغارهم، أن يضربوا الحديد وهو حامٍ، ولا يدعوه لظروف يراهنون عليها، فتبرد الهمم، وتجعل العزائم تتآكل يوما بعد يوما. ندعوهم أن يحزموا أمرهم مرة واحدة في العمر، وأن يجرّبوا اليوم الذكاء الإصطناعي، بعدما شبعنا من مرارة العيش في ظلال الحكومات من وزراء الذكاء الطبيعي الذين ما إحتاط البلد في عهدهم كفاية لدفع خطط الإسرائيليين، ولا حمى القطاعات من السماسرة وتجار الخردة وتجار القطعة، فكانوا أن سلّموا البلد للمهرّبين والجواسيس، وأنهكوا خزينة الدولة بسرقة المال العام وأموال المودعين، فتآكلت رواتب الموظفين في القطاعين الخاص والعام، حتى أفرغت الوظائف والوزارات والإدارات، من الموظفين الأكفّاء.
لأول مرة تعدنا هذه الحكومة المصطفاة والمنتقاة بعناية الرؤساء القدماء والجدد، أنها سوف تسرّع في آلية عملها، لا على أساس من الذكاء الطبيعي الخائب، بل على أساس من الذكاء الإصطناعي الواعد. غير أننا نراها تأخذ بالتعثر بين الحين والآخر. ونحن نرجو ألا يكون التأخير، ناتجا عن عوامل تعيدنا لخيار الذكاء الطبيعي مرة أخرى، فقد شبعنا محاصصة وطوائفية ومحسوبيات. وعليه، قطع الشك باليقن من خلال العمل على قاعدة: «بدأوا من هناك، فلنبدأ من هنا». وليس أمامهم إلّا التمسّك بالذكاء الإصطناعي الذي لا يحسب حسابا لمزاجية الرعاة ولا لإستنسابية النافذين ومآربهم البغيضة، ولا لأصحاب العهود القديمة في المحاصصات والمحسوبيات والتبعيات، بل على الحكومة أن تباشر العمل في التعيينات فورا وبدون تأجيل، حتى لا يختلط الذكاء الإصطناعي بالذكاء الطبيعي، فتضيع من أيدنا الفرصة التاريخية، ونعود القهقرى إلى الوراء، ويصير المواطنون يتحدثون عن الحكومة الواعدة: تيتي تيتي... متل ما رحتي مال ما جيتي...
أمس كان لقاء الوزير السابق محمد شقير، مع وزير الدولة لشؤون تكنولوجيا المعلومات والذكاء الإصطناعي كمال شحادة، وعدد من الشركات الكبرى التي تعمل في مجال تكنولوجيا المعلومات.
فهل يستفاد من تعميم إستخدام تكنولوجيا المعلومات والذكاء الإصطناعي في إطار المكننة الشاملة وإعتماد الرقمنة، لحل عثرات مجلس الوزراء في مسألة تعثّر التعيينات، وذلك من خلال الروبوت الموعود، فتنطلق ورش التعيينات، ويخلص البلد من زعزعة الإستقرار، ومن قصص القيل والقال، في جميع أنواع التعيينات، أم سيظل الذكاء الطبيعي، سيد جميع القرارات؟!
* أستاذ في الجامعة اللبنانية