لا نحتاج إلى براهين كثيرة. ولا تعوزنا الشواهد والأدلة، على أن اللبنانيين، تفرقوا منذ أول عهدهم بالإستقلال، أيدي سبأ. وربما لا نغالي كثيرا، إذا ما قلنا: إنهم كانوا لكذلك، منذ الحكم العثماني، وطيلة الإنتداب الفرنسي. فما شكلوا في يوم من الأيام، أمة واحدة. ولا كانوا شعبا واحدا. حتى ولو كانوا من دين واحد. أو من طائفة واحدة.
كان اللبنانيون وهذة عقدتهم حتى اليوم، أمما شتى. لطالما وجدهم على ذلك الكتاب والأدباء والشعراء والإعلاميون، وحتى ساسة الدول الكبرى والصغرى. وهم على قلة عددهم، قياسا بغيرهم، كانوا يطلقون عليهم، تبكيتا وتنكيدا وتبخيسا: «الشعوب اللبنانية».
وصفهم المؤرخون والباحثون وعلماء الإناسة، كما علماء الإنتربولوجيا والسوسيولوجيا، بأنهم من بقايا الشعوب التي عاشت على ضفاف المتوسط. أو ممن حملتهم الهجرات على دفعات، كلما ضربت الحروب الإمبراطوريات، وإشتد الطغيان على الناس فيها. فإندفعت أمواجهم إلى هذا البلد الناعم البال، فوجدوا في لجوئهم إليه من أسباب الهدوء والسكينة وراحة النفس، ما يدفعهم على الإسقرار فيه، والإطمئنان إلى غدهم بين جنباته، حتى باتوا يحسبون من فلول الدول المنهارة. تسلقوا جباله وروابيه من البر والبحر، تماما كما الطيور، جماعات جماعات. وكان لهم موطنا.
كانت الفئات اللبنانية تتصارع على الفتات: فتات السلطة. وفتات المال. وفتات الأرض. وكان كل شيء في لبنان، إلى التفتيت. وإلى مزيد من التفتيت، حتى تتأمن لجميع الفئات حصصها، من المال والجاه والإقطاع.
لا أريد أن أجلد الفئات اللبنانية، لشناعتها في التشتت والتسلط. ولا أريد أن أعيبها. ولا أن أعيرها. أو أن أقلل من شأنها. فقد كانت رغم ذلك، يسبقها صوتها في جميع العلوم والمهارات. حتى بات كل بيت فيها، حضرة متسعة. وحتى باتت القرى والمدن، مثالا يحتذى. وحتى بات الحكام وأهل السياسة، لهم ما لهم. وعليهم ما عليهم. وباتوا مضرب المثل في كل غاية وفي كل شأن.
شهد اللبنانيون فيما بينهم، كل أنواع الحروب، حتى باتوا أهل «الحوربة». ذرت الطائفية قرنها في جميع الأنحاء. وقامت الثورات في وجوه الإقطاع. حتى بات لذلك، من التقاليد، ما حفر الأخاديد. وعمق الخلافات. وأوجع الناس. وتسبب بالدماء وبالمجاعات وبالحصارات. وكانت كل جماعة تستقوي بالخارج لتشد عضدها. وتثبت زعامتها. وتقول للغير، إنها الأقوى. وظل الأمر كذلك طيلة قرون وقرون. ولو كان الأمر يستفحل أحيانا. ويهدأ ويتراجع ويستكين أحيانا أخرى.
وأشنع ما إستبد باللبنانيين الإستقواء بالخارج على بعضهم بعضا. وحقبة الإستقلال التي ناهزت ثلاثة أرباع القرن، لا تزال شاهدة على ذلك. فما أبقت فئة من اللبنانيين، مهما كانت ضئيلة، شيئا في نفسها. كان يخرج سمها في التحولات بإرادة منها، وبدون إرادتها. تستدعي دولا وأنظمة ومبادرات وأهل الدعوات كلها إلى أرضها، للإنتصار لنفسها على القوى والفئات الأخرى. ولا تجد في ذلك غضاضة ولا عيبا. ثم يدور الزمن دورته، فتدفع لذلك أثمانا باهظة.
اللبنانيون يعيشون اليوم فيما بينهم، الإنقسام، بكل الشؤون والشجون. فهو إرثهم الذي ورثوه. وصار عندهم سياسة. وترى العالم بكل دوله، ينظرون إليهم كذلك. ويزودونهم بما يحتاجون إليه، لتعميق الإنقسام والشرذمة. فصاروا لذلك، دولا شتى، في دولة واحدة. غير أن الجريمة جمعت اليوم بينهم، فتجاوزوا الإنقسام، إلى الوحدة والتكافل والتضامن. فما تصنعه الحرب بهم، أعظم بكثير من الشرذمة التي أسرتهم طيلة دهورهم كلها. وها هم يدا واحدة على أعدائهم. وقلبا واحدا في معاملاتهم. ونامت الفتنة بينهم. ولم نعد نسمع أية نأمة. وهذا لعمري أعظم نعمة.
حقاً، جمعت الجريمة بيننا. وصرنا جميعا أمام النار والبارود. وأمام الهجمات بالمسيرات وبالصواريخ. وأمام إغارات الطيران المتلاحقة.
الحرب علينا تحمل في طويتها ما يهدد اللبنانيين جميعاً. وليس بيننا من هو بعيد عنها. وكما أن أثمانها باهظة في الأرواح وفي الممتلكات، فهي تضرب اللبنانيين جميعا. وليس هناك منطقة بعيدة عن أرض الجريمة. ولهذا باتوا يجتمعون على أمر واحد: إستنكار الجريمة التي زرعت في بلادنا منذ أول القرن. ولم يعد بإستطاعتنا دفعها عنا.
حقا جمعت الجريمة بيننا. وصرنا يدا واحدة. فمتى تستيقظ فينا الوطنية. ومتى نصبح شعبا واحدا. نقول لا بالفم الملآن لكل طامع في أرضنا. وأننا على الميثاق: «لبنان ليس ممرا ولا مستقرا لأحد عندنا». لبنان وطن نهائي وأبدي لجميع أبنائه. وهذا خير لنا.
أستاذ في الجامعة اللبنانية