محمد جارودي
في بلد يبحث عن توازنه، خرج علينا صوت من داخل قبة البرلمان يُعلن بكل وضوح أنه يحمل ثأراً منذ أربعة عشر قرناً، وأن موعد استيفائه مرتبط بظهور المنتظر. لم يكن ذلك زلة لسان ولا انفعالاً عابراً، بل موقفاً معلناً صدر عن مسؤول منتخب أمام الرأي العام.
لن نذكر أسماء، فالمسألة أكبر من الأشخاص، وأخطر من أن تُختزل في سجال سياسي عابر.
ثمة فارق جوهري بين أن ينطلق الإنسان من قناعاته الدينية والروحية، وبين أن تتحول تلك القناعات إلى خطاب سياسي يقوم على استحضار الخصومات التاريخية وإسقاطها على أبناء الحاضر. فالمعتقد الديني شأن وجداني يربط الإنسان بربه ويهذب سلوكه، أما حين يُستخدم لتوجيه الاتهام أو العداء إلى مواطنين معاصرين بسبب انتمائهم المذهبي، فإنه يغادر دائرته الروحية إلى دائرة الانقسام السياسي والاجتماعي.
والأمر يزداد خطورة حين يصدر هذا الخطاب عمن يفترض أنه يمثل جميع المواطنين. فالنيابة العامة ليست تفويضاً لفئة دون أخرى، بل مسؤولية وطنية تقتضي طمأنة الناس وجمعهم تحت سقف الدولة والقانون، لا إعادة فتح جراح التاريخ بينهم.
ولا يحتاج رفض منطق الثأر الموروث إلى كثير من الجدل. يكفي أن نتأمل المبدأ القرآني الواضح: {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى}. وهو مبدأ يؤكد المسؤولية الفردية ويرفض تحميل الإنسان تبعات أفعال لم يرتكبها. ومن هنا يصعب التوفيق بين فكرة الثأر الجماعي عبر الأجيال وبين هذا الأصل الأخلاقي والشرعي الراسخ. فإذا كان الإنسان لا يُحاسب على فعل غيره، فكيف يُحمَّل مواطن يعيش في القرن الحادي والعشرين مسؤولية أحداث وقعت قبل أربعة عشر قرناً؟
كما أن القراءة المنصفة للتاريخ تكشف أن أحداث الماضي كانت أعقد بكثير من الروايات التبسيطية التي تُختزل أحياناً في اتهام جماعات كاملة أو أجيال متعاقبة. فالتاريخ ميدان للتأمل واستخلاص العبر، لا أداة لإدانة الأبرياء أو لتوزيع الاتهامات على أساس الهوية والانتماء.
والتجارب البشرية تؤكد أن المجتمعات التي تبني سياساتها على الأحقاد التاريخية لا تنتج إلّا أحقاداً جديدة. ففي كل مرة يُستحضر جرح قديم لتبرير خصومة معاصرة، يكون الثمن مزيداً من الانقسام والخوف وانعدام الثقة بين أبناء الوطن الواحد. وحين يصدر مثل هذا الخطاب من موقع رسمي، فإنه يبعث برسائل مقلقة إلى المواطنين الذين يفترض أن يشعروا بأن دولتهم تحميهم جميعاً على قدم المساواة.
إن إحياء ذكرى الحسين عليه السلام واستلهام معاني التضحية والعدل والكرامة التي جسّدها هو قيمة إنسانية وأخلاقية عظيمة. لكن تحويل المأساة التاريخية إلى أداة للخصومة بين أبناء الحاضر يبتعد عن المقاصد السامية التي حملتها تلك الذكرى، ويجعل من التاريخ عبئاً على التعايش بدلاً من أن يكون مصدراً للعبرة والإصلاح.
ليست المشكلة في أن يختلف الناس في قراءتهم للتاريخ، فالتاريخ بطبيعته قابل لتعدد القراءات. المشكلة حين يتحول التاريخ إلى محكمة مفتوحة يُستدعى إليها الأحياء ليُحاكموا بجريرة الأموات. فالأوطان لا تُبنى على تصفية حسابات عمرها قرون، بل على عقد مواطنة يعترف بحق كل إنسان أن يُحاسب على أفعاله هو، لا على أفعال غيره. وعندما يصبح الماضي سلاحاً في وجه الحاضر يخسر الجميع، أما عندما يصبح درساً للعدل والإنصاف والمصالحة، فهناك فقط يبدأ بناء المستقبل.
والحقيقة لا تحتاج إلى أسماء لتُقال، تكفيها الحجة:::