بيروت - لبنان

اخر الأخبار

4 حزيران 2026 12:00ص لبنان خارج الوطن

حجم الخط
رياض تلجة

منذ ما قبل تأسيس دولة لبنان الكبير شهد الوطن موجات من الهجرة إلى الخارج بحثا عن رزق لم يوفره له الكيان الجديد، أو حرية وأمان، حرم منها بعض الطوائف والكثير من المواطنين. أول هذه الهجرات كان إبّان الحرب العالمية الاولى تحت الحكم العثماني وما سُمّي بسفر برلك حين عانى السكان من نقص حادّ في المواد التموينية وتضييق الحريات فتوجه الكثير منهم إلى الأميركيتين ونجحوا في أعمالهم ورفعوا اسم لبنان عاليا عدا عن توفير الدعم الاقتصادي بضخ الأموال لمساعدة ذويهم أو للاستثمار.
تسارعت الأمور بعد الاستقلال حين شهد الوطن فترة من الاستقرار السياسي والاقتصادي أدّت إلى ذروة الازدهار في ستينيات القرن الماضي. لكن الاستقرار لم يدم طويلا حيث شهدت السبعينيات صراعات إقليمية أدّت إلى نشوب حرب أهلية ساهم سلاح المقاومة الفلسطينية والتجاذبات الخارجية في تأجيجها بالإضافة إلى تعرّض الصيغة السياسية للاهتزاز بحكم اعتماد الطائفية السياسية في صلب النظام. دامت هذه الحرب لسنوات طويلة والسؤال هنا: كيف استطاع لبنان أن يحافظ على بعض الاستقرار الاقتصادي والمالي؟؟ الجواب يأتي من ازدياد عدد المهاجرين وتحويل بعض أموالهم إلى المصارف في الوطن. والأهم هو التمويل الخارجي للحرب المستعرّة. مرة أخري يعيش اللبناني من خارج الوطن. ثم انه بعد انتهاء الحرب في أوائل التسعينيات وبداية عهد رفيق الحريري تدفقت الأموال من دول الخليج وبدأ الاقتصاد يعتمد بشكل خاص على الموارد الريعية والاستدانة من الخارج (مؤتمر باريس ١ و٢ الخ) وإصدار سندات خزينة بمليارات الدولارات، من دون اعتماد خطة اقتصادية لإصلاح مواقع الخلل وتطوير النمو في الناتج المحلي، عدا عن استشراء الفساد في الطبقة الحاكمة في هذه الفترة، وانتفاء المساءلة وفصل السلطات، مما أوصلنا إلى نتائج كارثية. كان الترياق يأتي دائما من الخارج وقت اشتداد الأزمات. فبعد الانهيار المصرفي الكبير في أميركا في العام ٢٠٠٨، تدفقت أموال كثيرة إلى لبنان من مستثمرين هربا من أخطار الاستثمار في أميركا وأوروبا وطمعا بالفوائد المرتفعة وبالاستقرار المالي المصطنع الذي كان سائدا في القطاع المصرفي.
لم تدم الأمور طويلا على هذا الحال وراح الاقتصاد اللبناني يتحوّل إلى كيانات مالية متفككة منها ما هو خاضع لحزب الله أو لأمراء الطوائف من السياسيين الفاسدين وافتقاد المساءلة وتفاقم الفساد.
وفي العام ٢٠١٩ لم يجد حاكم مصرف لبنان الحل السحري لتفاقم أزمة الديون واهتزاز المصارف. فبدأت مرحلة التقهقر والانهيار السريع حين فَقدَ أصحاب الودائع من اللبنانيين وغيرهم، معظم مدخراتهم لدى المصارف ووقعت الكارثة. مرة أخرى عاد لبنان يعيش خارج الوطن بهجرة الكفاءات إلى دول الخليج وغيرها، وأصبحت العائلات المقيمة في الوطن تعتمد، في تامين عيشها، على أبنائها خارج الوطن. وبذلك تفادينا الانهيار الاجتماعي الكبير وتفكك مؤسسات الدولة. وإلى يومنا هذا ما زلنا نعتمد على الخارج لإحياء الوطن. وفي بعض الأحوال يكون الالتحاق بالخارج سببا لتدميره.
نتيجة لعقود من السياسات الخاطئة وفشل الدولة بإصلاح الاقتصاد؛ فها هو لبنان اليوم يعيش حالة حرب مدمرة مع عدو شرس متوحش، هدفه الاحتلال والتوسّع في ظل انقسام داخلي حادّ. والسؤال هل سيبقى الوطن ليعيش من خارج الوطن أم سنتحوّل أوطانا لا يُعرف داخلها من خارجها أم أنه قد آن الأوان لان يحدث التغيير المطلوب لبناء وطن يعيش من داخل هذا الوطن؟؟؟