بيروت - لبنان

اخر الأخبار

4 حزيران 2026 12:00ص المقاصد وبيروت.. ثنائية الوعي والهوية (3)

مدارس الذكور وبناء النخبة.. عندما وضع «مدحت باشا» حجر الأساس لرجال الدولة

حجم الخط
مقدّمة: اكتمال الجناحَين

استعرضنا في الجزء الثاني كيف أطلقت جمعية المقاصد «ثورة نون النسوة» عام 1878. غير أن المؤسّسين كانوا يدركون أن البناء الحقيقي للمجتمع يستلزم «جناحَين». وقد جاء عام 1879 ليفتح صفحة «المدرسة المقاصدية للذكور»، التي غدت لاحقاً المختبر الأكبر لصناعة النخبة البيروتية.
في هذا الجزء الثالث، نفتح دفاتر أرشيف عام 1879 لنقرأ كيف تحوّلت غرف مستأجرة في قلب السوق البيروتي إلى حاضنات لرجال الدولة والفكر والأدب، وكيف جاهر المقاصديون بمبادئ تربوية ثورية كمجانية التعليم ومنع العقوبة الجسدية.

****

• فلسفة التأخير: التكتيك المقاصدي الرصين

يرد في أدبيات الجمعية أن المؤسّسين ارتأوا التريث نحو أربعة عشر شهراً قبل افتتاح مدارس الذكور. لم يكن هذا التأخير تقصيراً بل كان مخططاً استراتيجياً محكماً؛ فقد أراد المؤسّسون حشد الإمكانيات المالية والبشرية الكافية لافتتاح مدارس ذكور «نموذجية» لا تقلّ شأناً عن المكاتب السلطانية أو مدارس البعثات الأجنبية.
كانت المعادلة التي يسعون إليها واضحة المعالم: يجب أن يتقن خريج المقاصد العربيةَ لغةَ هويته، والتركية لغةَ الإدارة العثمانية، وأن يكون على دراية بالعلوم الحديثة، ومنفتحاً على الفرنسية لغةَ العلم والدبلوماسية. وتكشف وثائق الأرشيف أن الجمعية كانت تتابع تجارب التعليم في مدارس الرشدية العثمانية ومدارس الإرساليات، لتستفيد من نقاط قوتها وتتجنّب نقاط ضعفها.

• 7 كانون الأول 1879: يوم تاريخي في «سوق البازركان»

- الحدث والحضور:
في يوم الأحد، 23 ذي الحجة 1296هـ، الموافق 7 كانون الأول 1879م، احتفلت بيروت بافتتاح «المدرسة المقاصدية الأولى للذكور» في سوق البازركان المعروف بالمحكمة العتيقة. حضر الحفل الوالي مدحت باشا، ومتصرف بيروت، ونائب المدينة ومفتيها، وحشد من أعيان الطوائف والعائلات البيروتية.
كان اختيار سوق البازركان موقعاً رمزياً مقصوداً؛ إذ وضعت المقاصد مدرستها في قلب بيروت التجاري والسياسي، تعلنُ بذلك أنها مشروع الحياة العامة لا مجرد مؤسسة هامشية. وقد شيّدت الجمعية مبناها من مال «المجيدي» الشعبي الذي جمعه الحرفيون والتجار والبسطاء.

• الثورة الإدارية: مجانية التعليم ومنع العقوبة الجسدية

- مبدأ المجانية: ديمقراطية المعرفة:
أرست الهيئة الإدارية في اجتماعها يوم الجمعة 11 رمضان 1296هـ مبادئ تربوية كانت سابقة لعصرها. أوّلها: مجانية التعليم التامة لجميع الطلاب، مع تحديد سن القبول بين السابعة والخامسة عشرة من العمر. كان هذا قراراً يعني عملياً فتح باب المعرفة أمام كل طفل بصرف النظر عن ثروة أبيه ومكانة أسرته.
في زمن كانت المدارس الأجنبية تفرض أقساطاً مرتفعة لا يستطيع الحرفي البسيط تحمّلها، جاءت مجانية المقاصد لتحوّل التعليم من امتياز طبقي إلى حق عام.
- مبدأ منع العقوبة الجسدية: ثورة تربوية حقيقية:
أما المبدأ الثاني فكان أشدّ ثورية: إصدار تعليمات صريحة بـ«المحافظة على النظام في ما يتعلق بقضية الضرب»، بعبارة أخرى حظر العقوبة الجسدية في قاعات الدراسة.

• مدحت باشا و«لجنة الإصلاح»: مأسسة النهضة

لم يتوقف دعم مدحت باشا عند حضور الافتتاح، بل انتقل إلى مستوى أعمق بتشكيل «لجنة الأوقاف البيروتية» برئاسة عبد الله أفندي جمال الدين. قدّمت هذه اللجنة تقريراً طموحاً يطالب بإنشاء خمس مدارس إضافية للذكور ومدرسة ثانية للإناث.
أثمر هذا التحالف بين «السلطة الإصلاحية» و«الجمعية الأهلية» عن تخصيص مواقع حيوية للمقاصد في قلب بيروت، وكانت هذه العقارات استثماراً استراتيجياً تحوّلت إلى صروح تعليمية ظلت تخدم البيروتيين لعقود.
وتكشف هذه المرحلة نضجاً مؤسسياً لافتاً لدى قيادة المقاصد؛ فبدلاً من الاكتفاء بالعمل الخيري المتقطع، كانت الجمعية تبني شراكة منهجية مع السلطة العثمانية لتوظيف موارد الدولة في خدمة المشروع التعليمي الأهلي.

• المدرسة الثانية والشيخ عمر البربير: هيبة العلم ورسوخ المنهج

في الثاني من محرم 1297هـ، افتتحت «المدرسة الثانية للذكور» في الطابق العلوي من «المكتب السلطاني» في محلة الباشورة، وذلك بدعم مدحت باشا الذي عيّن أحد مؤسسي الجمعية مديراً لها.
كان لاختيار الشيخ عمر أفندي البربير معلماً أول ورئيساً للمدرسة دلالةٌ عميقة؛ إذ كان يمثّل الجمع النادر بين العالِم الديني المتمكن والمربّي المنهجي الحديث. حدّدت الجمعية الطاقة الاستيعابية بمئة تلميذ قصداً وليس عجزاً، إذ كانت الفلسفة التربوية تقوم على «الجودة قبل الكمية». وقد أسهم هذا التوجه في رفع مكانة خريج المقاصد في سوق العمل والإدارة العثمانية.
- المنهج الدراسي: معادلة التوازن:
اشتمل المنهج على أربعة محاور:
الأول - المواد الدينية: القرآن الكريم والتجويد والفقه والعقيدة.
الثاني - اللغة والأدب: القراءة والإنشاء العربي والنحو والخط.
الثالث - العلوم التطبيقية: الحساب والهندسة والجغرافيا والتاريخ.
الرابع - اللغات الحيّة: التركية العثمانية لغة الإدارة، والفرنسية لغة العلم والتواصل الدولي.
وهو منهج يجمع بين الأصالة والمعاصرة في توازن دقيق، رافضاً الانحياز الكامل نحو القديم أو الانبتات عن الموروث لصالح الوافد الأجنبي.

• التوسّع العمراني: من «رأس النبع» إلى «الأشرفية»

- المسجد والمدرسة: فلسفة عمرانية متكاملة:
ما إن استقرّت المدارس الأربع الأولى حتى انتقلت المقاصد إلى مرحلة التوسّع الجغرافي المنهجي. اشترت الجمعية أرضاً في محلة «رأس النبع» وبنت عليها مدرستين جديدتين وجامعاً مجاوراً، في فلسفة عمرانية تجعل المسجد والمدرسة جارَين يُكمل أحدهما الآخر؛ المسجد يبني الروح والوجدان، والمدرسة تبني العقل والمهارة.
- حضور في «الأشرفية»: رسالة جغرافية عميقة:
وصلت يد المقاصد إلى حي «الأشرفية» أيضاً ببناء جامع ومدرسة، في رسالة لا تخطئها العين: المقاصد جمعية لكل بيروت لا لحيّ بعينه، ولا لطائفة دون سواها. كان هذا الانتشار الجغرافي عبر مختلف الأحياء ذا دلالة سياسية عميقة في مدينة بدأت تتشكّل فيها الهويات الطائفية، وتتراكم فيها بذور الانقسام الجغرافي-الطائفي.
وبمقاربة هذا التوسّع من منظور التخطيط الحضري، كانت المقاصد تبني «شبكة مؤسسية» عضوية تتوافق مع الكثافة السكانية وحاجات الأحياء، وهو ما جعلها حاضرة في اليومي المعيشي للبيروتي ومرتبطة بتفاصيل حياته لا بمناسباتها الاستثنائية.

• صناعة النخبة: المقاصد مختبراً اجتماعياً وفكرياً

لم تكن مدارس الذكور في المقاصد تُخرّج موظفين فحسب، بل كانت «مختبراً اجتماعياً» يُنضج فكرة المواطنية البيروتية قبل أن تكون ثمة دولة. في صفوفها، جلس ابن التاجر الثري إلى جانب ابن الحرفي البسيط، في سابقة ديمقراطية حقيقية في مجتمع كانت فيه الحواجز الطبقية صلبة والفوارق الطائفية حادّة.
وكان هذا التمازج الاجتماعي في قاعة الدراسة يصنع بصمة نفسية عميقة: الطفل الذي يتعلم إلى جانب أقرانه من مختلف الطبقات الاجتماعية ينشأ وفي وجدانه أن الإنسان يُقاس بقدره لا بنسبه.
ومن فصول المقاصد خرج لاحقاً رجال صنعوا تاريخ لبنان الحديث: سياسيون قادوا مفاوضات الاستقلال، وأدباء رسموا ملامح النهضة الثقافية، ورجال أعمال أسّسوا البنى الاقتصادية للبيروت الحديثة.

- يتبع في الجزء الرابع: من القلم إلى المشرط.. المقاصد تداوي جراح المدينة وتصنع «الأمن الصحي»